حين كنتُ على رأس العمل، كان القريب والبعيد، والرئيس والمرؤوس، يتسابقون إلى الثناء والإشادة، ويحرصون على الودّ والتواصل.

لا يمضي يومٌ دون تحية صباح، أو سؤالٍ عن الأحوال والأبناء، أو اتصالٍ يطمئن على الصحة ويستفسر عن الغياب..وحتى حين يبدو عليَّ التعب أو الإرهاق، كنت أجد من يبادر بوصفة شعبية، يوصيني بها وكأنها سرٌّ من أسرار العافية، ويقسم أنها مجرّبة نافعة لا ضرر منها!أما رنين الهاتف، فيكاد لا ينقطع، وكأن للنهار موعدًا ثابتًا مع الاتصالات، وللمساء نصيبًا من السؤال والاطمئنان.

لكن ما إن غادرتُ ميدان العمل، وأسدلتُ الستار على سنوات المسؤولية، حتى تبدّلت المشاهد، وخفتت أصواتٌ كانت بالأمس قريبة، وغابت وجوهٌ اعتادت الحضور.عندها أدركت أن بعض العلاقات كانت تستمد دفأها من وهج المنصب، وأن ثمة أناسًا لا يعرفون طريقك إلا حين تكون في موقع المسؤولية، فإذا غادرته انقطعت بهم السبل إليك!


وهؤلاء، في حقيقة الأمر، هم أصدقاء الكرسي، لا أصدقاء الطريق؛ يقتربون حين تكون للمكانة هيبتها، وللمسؤولية بريقها، ثم يمضون

حين ينتهي كل ذلك، وكأن الودّ الذي أظهروه لم يكن يومًا إلا ظلًّا عابرًا لمرحلة من مراحل الحياة.

وإنصافًا للحقيقة، فإن هؤلاء قلةٌ فيمن عرفت، ولله الحمد؛ فما زال في حياتي رجالٌ أوفياء، لم تغيّرهم الأيام، ولم تُبدّلهم المناصب، ولا تزال هواتفهم تحمل إليّ السؤال، وقلوبهم تحفظ الودّ، وأرواحهم تعرف الطريق إليّ دون حاجةٍ إلى مناسبة أو مصلحة.

أولئك هم أصحاب المعادن الأصيلة، الذين لا تقاس مكانتهم بكثرة اتصالاتهم في زمن المسؤولية، بل بصدق حضورهم بعد انتهائها !

غير أن أشدّ ما يوجع النفس ليس غياب العابرين، ولا انقطاع من لم تكن بينك وبينهم إلا معرفة عابرة؛ فهؤلاء تكشفهم الأيام دون عناء.

إنما الوجع الحقيقي أن يأتيك الجفاء ممن منحتهم ثقتك، وفتحت لهم أبواب قلبك، ووقفت إلى جوارهم في السراء والضراء، وكنت لهم سندًا حين ضاقت بهم السبل، ويدًا تمتد إليهم حين تتراجع الأيدي !

ثم تمضي الأيام، وتتغير الظروف، فلا تجد من بعضهم حتى اتصالًا عابرًا، أو سؤالًا صادقًا، أو كلمةً تقول إن الودّ لم يمت، وإن المعروف لم يُنسَ، وإن للسنوات التي جمعتكم حرمةً لا ينبغي أن تمحوها تقلبات الحياة !

لا أكتب .. عتابًا على غياب اتصال، ولا تأسفًا على انفضاض أحد؛ فالعمر أكبر من أن نستهلكه في ملاحقة من لا يرغب في البقاء، والكرامة أعزّ من أن نستجدي بها سؤالًا أو نستعطف بها اهتمامًا.

لكنها شهادةً من واقع تجربة، وتذكيرًا بأن " الوفاء لا يُختبر حين تكون الأبواب مفتوحة، والمصالح قائمة، والمكانة حاضرة" ؛ إنما يُختبر حين تتغير الأحوال، وتنتهي المصالح، ويصبح التواصل خيارًا خالصًا لا تحرّكه منفعة ولا تفرضه حاجة!

علّمتني الحياة أن المنصب قد يجمع حولك كثيرين، لكنه لا يكشف لك حقيقة الجميع؛ وأن مغادرة كرسي المسؤولية ليست خسارةً للمكانة، بل فرصةٌ ثمينة لمعرفة من أحبّك لشخصك، ومن اقترب منك لموقعك !

فطوبى لمن بقي وفيًّا بعد انقضاء المصالح، وحفظ الودّ بعد تبدّل الأحوال، وظلّ يسأل عنك لأنك أنت، لا لأنك صاحب منصب أو جاه!

هؤلاء وحدهم هم الثروة الحقيقية التي لا تُقاس بالأرصدة ولا بالمناصب؛ لأن الكراسي تتبدّل، والمواقع تزول، والأضواء تخفت، أما المواقف النبيلة فتبقى شاهدةً على أصحابها، والوفاء يظلّ أرفع المناصب التي يمكن للإنسان أن يبلغها.