محمد بن صقر

لماذا تفشل النخب في محاورة الجماهير وكسب ثقة الشعوب أثناء ‏الأزمات؟ لا أزعم أني لدي الإجابة لهذا التساؤل، لكنه جدير بالطرح ‏والمناقشة والاستفادة منه، والسبب في ذلك خروج النخب المثقفة عن ‏إطار الصورة التي رسمت لها في عقول الجماهير، والمتمثلة في أنهم ‏الملهمون المرشدون، ومهندسو النهضة والنمو للشعوب، فهل هؤلاء ‏النخب كانوا يمارسون وظيفة المثقف والمفكر والفيلسوف والمخطط، ‏وبالتالي جاء تصنيفهم بأنهم نخب؟ أم هم فعلا يملكون المعرفة ‏والحقيقة التي هي الحكمة وما يبحث عنه الجمهور، ويكون متعطشا ‏لها؟ فهم صمام أمان للمجتمع، لأن الجماهير دائما ما تكون متحمسة ‏للعلوم والمعارف. الأحداث في سورية ولبنان والعراق، والدور الذي ‏قام به من أطلقوا على أنفسهم أنهم نخب، أوضح لنا أن مفهوم النخبة ‏ما كان إلا وظيفة إدارية لها مهام محددة تختلف باختلاف الأدوار التي ‏يقومون بها، وقد تبين ذلك جليا أثناء أزمات ما أطلق عليه اسم الربيع ‏العربي، حيث لم تستطع تلك النخب تحقيق أي شيء فاعل وواضح ‏للجماهير، وإنما زادت بعض تلك (النخب) الأمور تعقيدا، فخلقت ‏نوعا من الضبابية للدور المأمول منها، خاصة في ما يتعلق ‏بالجماهير، وكان بعضهم ربطت ممارسته وتطلعاته إلى السلطة ‏والأطماع السياسية، وتشكيل الأحزاب، وبناء البرامج، وتغيرت ‏منطلقاته الفكرية والمبادئ التي كان يدعو لها بمجرد ما تغير وضعه ‏الوظيفي، وصحب ذلك تغير في البوصلة الأساسية التي كان ينبغي ‏عليه القيام بها، وتسبب ذلك في حصول قطيعة بين هذه النخب وبين ‏الجماهير، هذا إذا افترضنا أنه كانت لها جماهير. وقد زاد في تأكيد ‏هذه القطيعة ازدواجية الخطاب المعلن لغالبية النخب، والذي يمارس ‏على الجماهير. مفهوم النخبة وتحديد النخب المثقفة التي لها أدوار ‏أساسية متمثلة في توجيه الجماهير وبناء الوعي الحر لها، غير ‏المعلب، وصولا إلى خلق نوع من الاستقرار المجتمعي. من أجل ذلك ‏كان يلزم على المثقف معرفة أساس عقلية الجماهير حتى لا يفشل في ‏استقطابها، وكيف أنها قد تنقلب بشكل سريع بمجرد أن تشعر بأن من ‏كانت تتبعه اختلف أسلوبه والمنهج الذي كان يتبعه، فعقلية الجماهير ‏وسلوكها كتب عنها كثير من العلماء، كان من أبرزهم الفرنسي ‏غوستاف لوبون، حيث بين أن أفكار الجماهير تنقسم إلى فئتين: ‏الأولى فئة الذين يتبنون الأفكار الأساسية: وهي تلك التي تُقدم لها ‏البيئة والوراثة والرأي العام استقرارا كبيرا، كالأفكار الدينية القيمية ‏الموجودة لدى الشعوب على سبيل المثال لا الحصر، فعندما تتبناها ‏شخصية معينة ويتحدث بمقتضاها، أو يصبغ نفسه بها، تصبح بمثابة ‏العباءة التي لا يمكن أن تتغير بين يوم وليلة، فهي المهيمنة على الفرد ‏داخل اللاوعي، وتشبه حديدا يصعب صهره بشكل سريع، فاستخدام ‏هذا الأسلوب يجعل المثقف يحصل على جواز لعقلية الجماهير ويؤثر ‏فيها، بل إن من أبجديات هذا الأسلوب هو صناعة النماذج التي تتبع، ‏فمن يمتلك هذا الأسلوب يجعل من نفسه نموذجا، ويخلق له أتباعا ‏يتأثرون بما يطرح ويمارس. أما الفئة الثانية فهم من يحملون الأفكار ‏الثانوية، وهى الأفكار التي تتشكل تحت تأثير اللحظة، فتكون أفكارا ‏عابرة، ومثال ذلك الانبهار بفرد على اعتبار أنه من النخبة المثقفة، ‏فيقوم بطرح مشروع ما أو فكرة، فتكون تلك الأفكار كالطيور ‏المهاجرة التي ما إن تحط في مكان حتى تستعد للانتقال إلى مكان ‏آخر، فلا يمكن أن ترسخ في عقلية الجمهور، أو أن تؤثر فيه، بل حتى ‏وإن تبنته الجماهير فسرعان ما سينقلب عليها، أو تفشل في إقناعهم ‏بأفكار أن النخب الثابتة على رأي في مصلحة المجتمع، هي من تكون ‏لها الغلبة، وهي من تفرض نفسها في قاموس المجتمعات، وهي من ‏تعشقها الجماهير.‏