محمد الدوسري

هناك إشكالية في الذات والروح الإنسانية تجعلها في قلق مستمر، وتفكير دائم للسعي وراء حجز مكان لدى الآخرين في تحسين وتجميل رؤية الذوات الإنسانية لتلك الذات والروح الإنسانية القلقة والمستكنة في إشكالية مكانتها وموقعها من عالمنا الحقيقي الذي أصبح صغيرا في الفكر والرؤية الافتراضية غير الملموسة، وتلك الإشكالية أصبحت موضوعاً من موضوعات البحث الفلسفي والدراسات الأكاديمية (كما بحثها الفيلسوف البريطاني المعاصر آلان دو بوتون في كتابه قلق السعي إلى المكانة – الشعور بالرضا أو المهانة)، ومن هذا المنطلق تبدأ رحلة إرضاء الآخرين والعمل الكؤود حتى تُصبح نظرة الآخرين لتلك الروح والذات المصابة بالتفكير الممزوج بالقلق والحزن والألم في داخلها لأن بعضاً أو كثرة من الذوات البشرية الأخرى أصبحت تنظر إليها بشيء من عدم التقدير أو النظرة غير التي ترغب تلك النفس القلقة أن ترى مكانتها في درجتها المستحقة لها فيما تراه من خلال تقييمها الذاتي، فهي قلقة لأنها تُريد أن تكون محبوبة ومقدرة لدى الآخرين.

المكانة العالية في المجتمعات لها طرق ووسائل متعددة ولا يمكن حصرها بل في أحيان كثيرة تكون تلك الطرق أو الوسائل كثيرة تكون متعارضة ومتناقضة فيما بينها، فقد تكون تلك الوسائل والطرق أخلاقية وذات صلة بالخير والحسن الذي خلقه البارئ المبدع في الأشياء ذاتها، وقد تكون غير أخلاقية وتتصل بالشر والقبح المنفصم عن فكرة الشر والقبح في آن واحد، وأن مسألة الحسن والقبح في كل ما يجري في حياة الذات الإنسانية لهو موضوع أصيل من موضوعات أصول الفقه والاعتقاد ودارت حوله خلافات كثيرة تتعلق بمواضيع أخرى من العلوم الاعتقادية وعلوم أصول الفقه، وهذا يُعطي القارئ والمتأمل بأن موضوعات العلوم خصوصاً التي تتصل بالاعتقاد والفلسفة والمنطق وأصول الفقه والنحو واللغة بينها علاقات وثيقة وتُبنى قواعدها على تأصيلات بعضها بعضا لذا فإن الرؤية التي تنحو بتقسيم العلوم وجعلها جزراً متقطعة لا علاقات بينها لهي رؤية فيها شيء من القصور وتُصور تلك العلوم وموضوعاتها بأنها متناقضة وتتعارض مع بعضها بعضا، فهذا الحسن والقبح للأشياء هو أمر نسبي لم يكد يتفق عليه المتأملون والناظرون في موضوعاته وجزئياته، فربط المكانة بالحسن والقبح التي يُبتغى الحصول عليه يؤثر في اعتبار تلك المكانة الرفيعة التي يُريد أن يُحققها ذلك الإنسان الساعي وراء تلك المكانة، فقد تُستحق المكانة العالية في المجتمعات بسبب ما لدى تلك الذات الإنسانية من أموال ومن ثراء فاحش ونفوذ وسلطة مطلقة، وقد يتم اكتسابها بسبب العلم والمعرفة وعمق الثقافة، أو بسبب الحكمة، وربما تُكتسب بسبب إلهي لا يمكن تفسيره أو معرفته لأن مصدرها فوق مستوى الطاقات للنفوس والذوات البشرية، وقد تكون تلك المكانة اكتسبت بسبب شجاعة صاحبها أو رأي قاله أرضى جمعاً من البشرية في كل أو بعض المجتمعات، وقد تُكتسب بسبب فعل إجرامي يتم تصويره على أن ما تم فعله كان إقداماً وعدم خوف قد أكسب تلك النفس مهابة لدى الجميع، فالمكانة في المجتمعات لا يمكن قياسها بالمعايير الأخلاقية والمبادئ الخيرة، بل قد تختلف في المجتمعات باختلاف مصادرها التي تختلف حسب طبيعة وثقافة وبيئة تلك المجتمعات.

وقد تعلمنا في أصول المنطق وقواعد وأصول الفقه أن تأسيس كليات أي موضوع تُمكن الناظر والدارس من حصر جزئيات ذلك الموضوع، فعند تأسيس كليات لمصادر المكانة القيمية للذوات والنفوس البشرية فإننا يمكن أن نؤسس أن مصادر المكانة الخيرة ذات القبول من أكثرية الأرواح والذوات الإنسانية تتمثل في كل الأفعال والتصرفات التي قد انتفى عنها الشر أو ما كان مؤدياً للشر، ومصادر المكانة المتصفة بالشر والتي لها قبول لدى بعض الفئات والمجتمعات تنحصر في الأفعال والتصرفات التي انتفى عنها الخير أو ما كان مؤدياً لذلك الخير، فحتى المكانة والسعي إليها لا يعنيان أن الذات البشرية تسعى إلى الحصول على بغية الخير والعمل على نشره وتأسيسه في المجتمعات، بل قد تسعى للمكانة من خلال أفعال محرمة ومجرمة بيد أن فئةً من المجتمعات تُضفى عليها هالة ومهابة.

المكانة الحقيقية لا يمكن السعي وراءها واللهث لتحقيقها، فالمكانة التي تتصف بالخيرية والحسن الإنساني إذا لم تأتِ من خلال نظرة المجتمع المتزنة والتي لم يشبها أي شيء من المؤثرات الموهمة والخادعة للأذهان والعقول ولم يصحبها هالة وضجة إعلامية لها (بروباجندا) كي تكون ذات مكانة في المجتمعات، فإن تلك المكانة زائفة ويتخللها الغش والتدليس، وهذا الذي ينبغي أن يعلمه ويفقه ويعرفه كثير من أفراد مجتمعاتنا، بأن بذل القصد وتصميم الرغبة وراء السعي للحصول على المكانة هو أمر خطير جداً ويُصيب تلك الأرواح الساعية للحصول على مكانة بالقلق المستمر والحط من الذات الإنسانية من داخلها، لأنها لم تجعل تقييم ذاتها لها ومن خلال دواخلها، بل تسعى إلى خارج تلك الروح والذات وتطلب برغبة وقصد ملحين من الآخرين أن يُضفوا عليها مكانة وتقديراً ورفعة، هذه الروح شلت ذاتها من داخلها ولم تمنح عقلها الفرصة كي يُبدي لها مكانتها الحقيقية ويبسط لها أدلة الإقناع بأن مكانة تلك الذات تتحقق من داخلها وأن إعطاء النفس في أن تهيم خارج ذاتها لدى الآخرين بحثاً عن السعي للمكانة لهو خطأ كبير سيُعطل تلك الروح الذات عن سكونها واستقراها النفسي، وأن ذلك البحث الخارج عن أصل تلك الذات الإنسانية سوف يوقع كل جزئياتها في دائرة القلق.

في نظري أن كل مكانة لم يتم تأسيسها من خلال معايير قيمية وأخلاقية حسنة فهي مكانة خداعة وكاذبة، وإشكالية السعي وراء المكانة له ارتباط بالتطور التقني الهائل الذي انتشر ولا يزال بسرعة البرق، وخصوصاً في تلك البرامج المعلبة قصيرة الزمن والتي تجعل الجاهل عالما، وعديم المعرفة والثقافة فيلسوفا، وتجعل كل ما يخالف الأخلاق والقيم ذا مكانة عالية لدى كثيرين، وقد اقتصرت المكانة لدى فئات من أفراد المجتمع على عدد المتابعين والمشاهدات، وهذا مؤشر يوحي بأن المجتمعات يصيبها هبوط في كيفية معرفة المعايير والقيم والمقاييس التي تزن بها الأمور والأشياء، وأن مهمة أهل العلم والمثقفين ومراكز المعرفة الحقيقية إن وجدت هي التوضيح والبيان والكشف عن إشكاليات ما تُنتجه تلك التقنيات وببحث موازٍ لها في انتشارها، ومن تلك الإشكاليات أن السعي للحصول على المكانة ورضى الآخرين ليس هدفاً وغايةً بذاته يتم قصر عمل الذات الإنسانية بجميع ما تحتويه لذلك الهدف والغاية لأنها بتلك البغية والقصد سوف تجعل المجتمع يُعاني من إشكاليات ذلك البحث ويقف حجراً وعائقاً في تطوره وتنميته.