يصّح مبدئيًا أن يُقال إن ألف ساعة حوار أفضل من لحظات اصطدام واشتباك وابتلاء في الشارع، ويصّح ذلك في لبنان أكثر من غيره، تبعا لتعدد انتماءات أهله، طائفيا ومذهبيا وسياسيا، ثم تحوّله بفعل جغرافيته الطبيعية والسياسية إلى مصبّ وملتقى لكل حراك في جواره، سلما وحربا.
إلا أن نظرية الفن للفن لها في لبنان صنو غير مأنوس، وهو الحوار للحوار، وليس لهدف تسووي لا بد منه، أو لمعالجة ضرورية لأزمة طارئة أو عادية أو عاجلة أو مقيمة مثلما هو الحال هذه الأيام. الحوار البديل عن الصدام يكاد يكون، من حيث المبدأ، ضرورة حاسمة، لكنه في نواحينا العزيزة هو أداة يستخدمها صاحب الشأن والسلاح والهوى الذاتي في الوصول إلى ما يريد، وليس إلى نقطة وسطية بينه وبين أخصامه الذين يحاورهم، والتجربة مريرة، منذ 2006 تحديدا، وهو كان عاما مفصليا في سياقات تلك الطقوس، بحيث أن جماعة إيران في لبنان، أي حزبها المحلي، وملحقاته التي كانت وثيقة العلاقة بنظام آل الأسد السوري آنذاك، «وافقت» على جملة أمور سيادية حاسمة في طاولة الحوار المنعقدة في المجلس النيابي، إلا أن شيئا منها لم يجد طريقه إلى التنفيذ.
والتذكير ببعض ذلك مفيد، للمقارنة والمحاججة، بدءًا بالموافقة على إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وترسيم الحدود مع سورية، ومعالجة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وداخلها.
لكن ما جرى لاحقا لم تكن له علاقة بتلك المقررات، بل العكس تماما: لا المحكمة الدولية حظيت بتوافق عليها، لا من قريب ولا من بعيد، وجرى تعطيل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة طويلا، لمنعها من اتخاذ الخطوات الشرعية اللازمة لمواكبة الجهد الدولي من أجل تشكيل تلك المحكمة، وترافق ذلك مع احتكاكات ميدانية خطيرة، وسلسلة من الاغتيالات المعروفة، في سياق حملة ترهيب قصوى، لمنع انطلاق قطار المحاكمة، ووصوله إلى العدالة!، ولا ترسيم الحدود الشرقية والشمالية مع نظام الأسد جرى أو قُبِلَ به، عمليا وواقعيا، ولا السلاح الفلسطيني شهد أي «تنظيم» تبعا لما قررته طاولة الحوار الوطني!.
والتجربة المفصلية الموازية في أهميتها جرت في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان في 2012، عندما انعقدت طاولة الحوار في قصر بعبدا آنذاك، وتم فيها التوافق على ما سُمي لاحقا «إعلان بعبدا»، الذي نصّ أساسا على النأي بلبنان عن صراعات المنطقة وتأثيراتها. وطبعا ما جرى لاحقا كان العكس تماما بتاتا:
ذهب حزب إيران إلى سورية، وانخرط بقضّه وقضيضه في حرب نظامية على أهلها، وصولا إلى تشريد أكثر من نصف عددهم، وتدميرها طولا وعرضا، ثم «الانتقال» إلى تطوير التدخل الدموي لمصلحة إيران في العراق واليمن، وغيرهما.
وبين هذين التاريخين فصول هامشية كثيرة، تدلّ في زبدتها على اعتماد حزب إيران وتوابعه تكتيكات متحركة ومخزية في سياق إستراتيجية ثابتة: حوار 2006 جرى تحت وطأة ضرورة استيعاب الموجة السيادية الكبيرة التي فرضت الخروج العسكري السوري من لبنان، ومحاصرة تداعيات زلزال اغتيال الرئيس الحريري، محليا وخارجيا، وحوار 2012 جرى في ظل طغيان موجة الثورة السورية في الداخل السوري، وفي لبنان استطرادا، وكان المطلوب آنذاك أيضا «استيعاب» تلك الموجة المزدوجة في انتظار إتمام عدّة الانقضاض المضاد عليها!، وهذا ما جرى حرفيا!، حيث إن حزب إيران لم ينقض بنود «إعلان بعبدا» فقط، بل دعا رئيس الجمهورية يومها وباقي فرقاء طاولة الحوار إلى تبليط البحر، وشرب المياه التي نُقِعَ فيها ذلك الإعلان!.
وفي هذا الأداء، أظهر حزب إيران أخذه أمر الحوار الوطني على محمل تكتيكاته ومصلحته دون سواها: يذهب إليه إذا كان مأزوما، وينساه إذا كان مرتاحا!، ويذهب إليه مضطرا وليس مقتنعا إذا فرضت «الظروف الموضوعية» ذلك!، والتزاماته فيه عابرة وليست ثابتة، وقابلة للنقض في أول «فرصة» مناسبة!، أي أنه يحاور شكلًا وعرضًا، لكنه ثابت عند ارتباطاته الإيرانية، وإستراتيجية المشروع الإيراني، وآخر همٍّ من همومه هو أن يأخذ هواجس الآخرين أو مصالحهم أو مصالح لبنان العليا في الحسبان، والحوار عنده هو آلة من آليات عمله، المشتملة على السلاح والمال والأمن والإعلام.. ولكل مقام مقال!، وكل ذلك الجهد يجب أن يصبّ في خانة وخدمة مشروع الولي الفقيه أولا وأخيرا، وتحت ذلك السقف وليس فوقه!، ومن العبث الخالص أن يعود البعض إلى افتراض وجود حسّ وطني جامع وراء الدعوة المستجدة والراهنة إلى «استئناف» الحوار في قصر بعبدا!.
ساكن القصرالرئاسي في «بعبدا» يغزل على المنوال نفسه، الذي اعتمده راعيه ونصيره حزب إيران، أي أنه «يشعر» بضرورة التئام الشكل الحواري برعايته الميمونة، لأنه يريد أن يقول إنه حكم وليس طرفا، وإن على الآخرين مواكبة رعايته وحوكمته، لدفع حظوظ صهره جبران باسيل، المنبوذ والمعاقب دوليا على فساده، إلى الأمام في سعيه إلى إتمام وراثته السياسية والدستورية له!، أي أنه يريد «الحوار»، لأنه مأزوم ويشعر بالضعف!، ويطلبه لأنه صار يحتاج إلى غطاء الآخرين، وليس لأن مصلحة لبنان العليا تتطلب ذلك!، ولأن أوراقه وأوراق صهره احترقت من زمان، وصارت رمادا لا يفيد أحدا.
في المرات السابقة كان حزب إيران يذهب إلى «محاورة» أخصامه السياديين والاستقلاليين، الذين يحملون مشروعا وطنيا مضادا لمشروعه الاستلحاقي بإيران، وبرنامجها في عموم المنطقة، لكنه اليوم مدعو إلى حوار داخلي، إذا صحّ التعبير، حيث إن المطلوب فعليا هو تجديد روح الحلف بينه وبين تيار ميشال عون وصهره، وتضييق مساحة الهوّة الفاصلة بين ذلك التيار وشريكه في الثنائية الشيعية، ثم محاولة «بيع» الأشقاء العرب كذبة البحث مجددا بما يسمى «الإستراتيجية الدفاعية»، التي تعني في آخر تجلياتها أن حزب إيران قَبِلَ بوضع سلاحه تحت إمرة نظامية شرعية لبنانية!، وأنه لم يعد يتحكّم بمزدوجة الحرب والسلام، وما غير ذلك من تخرّصات عونية - باسيلية بائسة!.
مأزق حزب الله كبير، لكن بعض أبواب الخروج منه موجودة في طهران، وليس في بعبدا، وعند سائر اللبنانيين، وليس عند أتباعه، وما هو مطلوب منه اليوم أكبر من قدرته على الدفع، بعد أن أحرق، أو يكاد، كل أوراقه محليا وعربيا ودوليا.
* ينشر بالتزامن مع موقع لبنان الكبير.
إلا أن نظرية الفن للفن لها في لبنان صنو غير مأنوس، وهو الحوار للحوار، وليس لهدف تسووي لا بد منه، أو لمعالجة ضرورية لأزمة طارئة أو عادية أو عاجلة أو مقيمة مثلما هو الحال هذه الأيام. الحوار البديل عن الصدام يكاد يكون، من حيث المبدأ، ضرورة حاسمة، لكنه في نواحينا العزيزة هو أداة يستخدمها صاحب الشأن والسلاح والهوى الذاتي في الوصول إلى ما يريد، وليس إلى نقطة وسطية بينه وبين أخصامه الذين يحاورهم، والتجربة مريرة، منذ 2006 تحديدا، وهو كان عاما مفصليا في سياقات تلك الطقوس، بحيث أن جماعة إيران في لبنان، أي حزبها المحلي، وملحقاته التي كانت وثيقة العلاقة بنظام آل الأسد السوري آنذاك، «وافقت» على جملة أمور سيادية حاسمة في طاولة الحوار المنعقدة في المجلس النيابي، إلا أن شيئا منها لم يجد طريقه إلى التنفيذ.
والتذكير ببعض ذلك مفيد، للمقارنة والمحاججة، بدءًا بالموافقة على إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وترسيم الحدود مع سورية، ومعالجة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وداخلها.
لكن ما جرى لاحقا لم تكن له علاقة بتلك المقررات، بل العكس تماما: لا المحكمة الدولية حظيت بتوافق عليها، لا من قريب ولا من بعيد، وجرى تعطيل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة طويلا، لمنعها من اتخاذ الخطوات الشرعية اللازمة لمواكبة الجهد الدولي من أجل تشكيل تلك المحكمة، وترافق ذلك مع احتكاكات ميدانية خطيرة، وسلسلة من الاغتيالات المعروفة، في سياق حملة ترهيب قصوى، لمنع انطلاق قطار المحاكمة، ووصوله إلى العدالة!، ولا ترسيم الحدود الشرقية والشمالية مع نظام الأسد جرى أو قُبِلَ به، عمليا وواقعيا، ولا السلاح الفلسطيني شهد أي «تنظيم» تبعا لما قررته طاولة الحوار الوطني!.
والتجربة المفصلية الموازية في أهميتها جرت في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان في 2012، عندما انعقدت طاولة الحوار في قصر بعبدا آنذاك، وتم فيها التوافق على ما سُمي لاحقا «إعلان بعبدا»، الذي نصّ أساسا على النأي بلبنان عن صراعات المنطقة وتأثيراتها. وطبعا ما جرى لاحقا كان العكس تماما بتاتا:
ذهب حزب إيران إلى سورية، وانخرط بقضّه وقضيضه في حرب نظامية على أهلها، وصولا إلى تشريد أكثر من نصف عددهم، وتدميرها طولا وعرضا، ثم «الانتقال» إلى تطوير التدخل الدموي لمصلحة إيران في العراق واليمن، وغيرهما.
وبين هذين التاريخين فصول هامشية كثيرة، تدلّ في زبدتها على اعتماد حزب إيران وتوابعه تكتيكات متحركة ومخزية في سياق إستراتيجية ثابتة: حوار 2006 جرى تحت وطأة ضرورة استيعاب الموجة السيادية الكبيرة التي فرضت الخروج العسكري السوري من لبنان، ومحاصرة تداعيات زلزال اغتيال الرئيس الحريري، محليا وخارجيا، وحوار 2012 جرى في ظل طغيان موجة الثورة السورية في الداخل السوري، وفي لبنان استطرادا، وكان المطلوب آنذاك أيضا «استيعاب» تلك الموجة المزدوجة في انتظار إتمام عدّة الانقضاض المضاد عليها!، وهذا ما جرى حرفيا!، حيث إن حزب إيران لم ينقض بنود «إعلان بعبدا» فقط، بل دعا رئيس الجمهورية يومها وباقي فرقاء طاولة الحوار إلى تبليط البحر، وشرب المياه التي نُقِعَ فيها ذلك الإعلان!.
وفي هذا الأداء، أظهر حزب إيران أخذه أمر الحوار الوطني على محمل تكتيكاته ومصلحته دون سواها: يذهب إليه إذا كان مأزوما، وينساه إذا كان مرتاحا!، ويذهب إليه مضطرا وليس مقتنعا إذا فرضت «الظروف الموضوعية» ذلك!، والتزاماته فيه عابرة وليست ثابتة، وقابلة للنقض في أول «فرصة» مناسبة!، أي أنه يحاور شكلًا وعرضًا، لكنه ثابت عند ارتباطاته الإيرانية، وإستراتيجية المشروع الإيراني، وآخر همٍّ من همومه هو أن يأخذ هواجس الآخرين أو مصالحهم أو مصالح لبنان العليا في الحسبان، والحوار عنده هو آلة من آليات عمله، المشتملة على السلاح والمال والأمن والإعلام.. ولكل مقام مقال!، وكل ذلك الجهد يجب أن يصبّ في خانة وخدمة مشروع الولي الفقيه أولا وأخيرا، وتحت ذلك السقف وليس فوقه!، ومن العبث الخالص أن يعود البعض إلى افتراض وجود حسّ وطني جامع وراء الدعوة المستجدة والراهنة إلى «استئناف» الحوار في قصر بعبدا!.
ساكن القصرالرئاسي في «بعبدا» يغزل على المنوال نفسه، الذي اعتمده راعيه ونصيره حزب إيران، أي أنه «يشعر» بضرورة التئام الشكل الحواري برعايته الميمونة، لأنه يريد أن يقول إنه حكم وليس طرفا، وإن على الآخرين مواكبة رعايته وحوكمته، لدفع حظوظ صهره جبران باسيل، المنبوذ والمعاقب دوليا على فساده، إلى الأمام في سعيه إلى إتمام وراثته السياسية والدستورية له!، أي أنه يريد «الحوار»، لأنه مأزوم ويشعر بالضعف!، ويطلبه لأنه صار يحتاج إلى غطاء الآخرين، وليس لأن مصلحة لبنان العليا تتطلب ذلك!، ولأن أوراقه وأوراق صهره احترقت من زمان، وصارت رمادا لا يفيد أحدا.
في المرات السابقة كان حزب إيران يذهب إلى «محاورة» أخصامه السياديين والاستقلاليين، الذين يحملون مشروعا وطنيا مضادا لمشروعه الاستلحاقي بإيران، وبرنامجها في عموم المنطقة، لكنه اليوم مدعو إلى حوار داخلي، إذا صحّ التعبير، حيث إن المطلوب فعليا هو تجديد روح الحلف بينه وبين تيار ميشال عون وصهره، وتضييق مساحة الهوّة الفاصلة بين ذلك التيار وشريكه في الثنائية الشيعية، ثم محاولة «بيع» الأشقاء العرب كذبة البحث مجددا بما يسمى «الإستراتيجية الدفاعية»، التي تعني في آخر تجلياتها أن حزب إيران قَبِلَ بوضع سلاحه تحت إمرة نظامية شرعية لبنانية!، وأنه لم يعد يتحكّم بمزدوجة الحرب والسلام، وما غير ذلك من تخرّصات عونية - باسيلية بائسة!.
مأزق حزب الله كبير، لكن بعض أبواب الخروج منه موجودة في طهران، وليس في بعبدا، وعند سائر اللبنانيين، وليس عند أتباعه، وما هو مطلوب منه اليوم أكبر من قدرته على الدفع، بعد أن أحرق، أو يكاد، كل أوراقه محليا وعربيا ودوليا.
* ينشر بالتزامن مع موقع لبنان الكبير.