أنس الرشيد

من تجلياتِ الرثاء العام في مركزيته الزمانيّة، أن يتحدثَ الكُتَّاب عن الأسماءِ التي ألِفها وعيُهم الزماني في قوالبه التكنولوجيّة، وواكبتها ثقافتُهم، كأن يتحدثوا عَمَّن سيطروا على المخيالِ الثقافي، مما يُشَابه تلك الرؤى التي يُعزِزها الحشدُ الإعلامي، بتحويلِ المفرد إلى جمع؛ بقوةِ السلطة اللاواعية. ولتوثيق ما يُعارض هذه النظرة فإني أطرح -هنا- شخصيةً لم تكن ذاكرة ذاتية زمانية، بل ذاكرة تواصلية مكانية؛ أي حين ترحل مع الزمان فإنها تجرُّ معها إنصاتَها للأمكنة التي تنفي غلبةَ سلطة الزمان الجمعي، لهذا فإنَّ الذاكرةَ الجمعية الزمانية لا تلتفت لهذه الذات التواصلية المكانية؛ لأنها مُضادة لعبورِ الزمان الكلي في المخيلة؛ ولهذا فالرثاء -هنا- له صيغةٌ مختلفة. أتحدّثُ عن المصورِ الفوتوغرافي العراقي ياسر علوان، ذلك الإنسان الذي أنصتَ للأمكنة التي يمرُّ بها، حتى تَشرّبَ جمادَها قبل إنسانها، فدوّنَ المكانُ صوتَ ياسر، إلا أنَّ الزمانَ له حسابه المختلف، إذ لما التقيتُ ياسرَ صيفَ 2015، في القاهرة، قال لي: «إنَّ أولَ ما دوّنَ في كتابه (مرآة أم نافذة)؛ هو اللقاء الذي عقده البرلمانُ الفرنسي بشأنِ التصويرِ، ومناقشةِ التقرير الفاحصِ له، وما قدمه وزيرُ الداخلية؛ ليستحوذَ على حقوقِ الاختراع». وقد كانَ أحد معاني هذه الالتقاطة الأولى؛ هو لُعبة الزمانِ الجمعي، وعبثُه بالأمكنةِ التي يمرُّ بها، دون الإخلال بأهمية اللحظة الفرنسية تلك. أي أنَّ ياسر وثّقَ -من هذا اللقاء- كلمةَ عَالِمٍ اسمه (فرانسوا أراجو) أحضرَ عيّناتٍ من صور المخترعَيْن، ليعرضها على البرلمانيين؛ فلم يكتفِ بالعرض، بل لجأ إلى اللعبِ على الحِس الزماني المتعالي على الأمكنة المتعددة قائلًا: «سترونَ الفائدةَ المُدهِشة للفوتوغرافيا، ولو كانَ التصويرُ معروفًا عام 1798 لامتلكنا صورًا دقيقة من الرسومات الفرعونية التي حُرم منها العَالم المُثقّف؛ نتيجةَ جشع العرب». ومن هنا فإنَّنا نجد حديثًا مزدوجًا لهذا العَالِم، أي أنه بتوثيقه للفائدةِ العلمية للفوتوغرافيا لعلوم الفلك والأحياء، نراه يُحيلُ الفائدةَ على آثارٍ استعمارية، أي كأنه يوحّدُ بين تطور العلوم واستمرار تبدّل المفاهيم الاستعمارية إلى صيغٍ متجددة؛ ويوضح هذا التحليل قولُ أراجو نفسِه: «إن الفوتوغرافيا تمنح الطبيعةَ تصويرَ نفسها، وعلى فرنسا أن تتبنى الاختراعَ؛ كي تحافظ على تفاصيله كُلِّها للمستقبل». والسؤال: ما دامَ هذا الحدث خدمَ المصورين بِمَن فيهم ياسر، وأنقذهم من براثن مُريدي العدمية -بالاصطلاح النيتشوي- فأين الإشكال السياقي في صراع الزمان المتعالي، والأمكنة المتعددة؟ النقدُ -هنا- لا يتحدث عن الحدث؛ بصفتِه العلمية المجردة، وأهميته كصيرورة عظيمة، بل عَنْهُ بصفته مرآةً لزوايا مسكوتٍ عنها في تاريخيِّةِ العلم، حين تُحركه السلطةُ المعرفية، تلك التي تتجاوز الأمكنةَ بالقوةِ النظرية، ومن ثمَّ فإنَّ العلمَ تُحركه افتراضات تصنع الواقعَ بالفعل، ومهمة النقد الفلسفي -هنا- كشفُ ما يستتر في الخطاب الميتافيزيقي للعلم. أعودُ لياسر، ومعنى إنصاته المكاني؛ فهو عراقي قَدِمَ إلى مصر -في منحة- عام 1986، وكان الهاجسُ الأكبر لديه هو تصوير مصر والمصريين، أي محاولةً من وعيه أن يفصلَ بين رؤيته الفكرية للفوتوغرافيا، وتاريخ المكان الجديد، إذ لم يقل: إنَّه سيصور آثارَ مِصرَ، أو ما أنتجه الزمانُ المصري؛ ليَعْبُر به إلى تاريخية الزمان، فيوثق اسمَه مع مَن وثقهم التاريخ. بل إنَّ ياسر يُعلنُ رأيًا بأنَّ الصورَ وسائطٌ تؤثر على معرفةِ المصوِر وشعوره، فضلًا عن المُصوَّر والمتلقي بطبيعة الحال، ومِن ثَمَّ تُحدِدُ السلوكَ الاجتماعي. ومن هنا فإنَّ الإنصاتَ لصوتِ المكانِ -وما يقوله لنا من خلال الصور- سيُنتجُ أمكنةً مُتعددةً للمكان نفسه من خلال الزمانية المتجددة بعيونِ كُلِّ ناظرٍ لها؛ لهذا نجد قَولًا مُهمًا لياسر في معنى الأداة الثقافية حين تؤثر على الذاتِ المندمجة مع المجتمع المكاني؛ يقول: «النص الحقيقي لهذا الكتاب هو الصورة الفوتوغرافية، والكتابة هي الهوامش». إذ يرى ياسرُ أنَّ عالمنا لا يُطابِق عالمَ الصُورِ؛ لهذا اهتمَّ بمحاولة فهم طبيعة هذا الوسيط، ليفهم تَعدُدية الأمكنة في ظلِّ وعيٍ مُشْكِلٍ يُحاول العقلُ التكنولوجي أن يُزمِّنه في فضاءٍ واحد. ولعلَّ من هنا كان ياسرُ إذا صَوّرَ أحدًا ما، ثم فازتْ هذه الصورةُ في مَحفلٍ، فإنَّه يُعطي الشخصَ المُصَوَّر نسبةً من مَبلغِ الجائزة؛ -بحسب كلامِ أصدقائه- وهذا معنى عميق جديد في فَهمِ العلاقة بين المـُصوِّر والمـُصوَّر، لا تقوم على مركزية واعية في ذاتيتها التي تمثلت في مقولة البرلمان الفرنسي في سياقنا، بل إحالة المعنى للوسيط (الصورة)، ومن ثمَّ فإنَّ الذاتية مُتوزعة بين المــُصَوِر والمـُصَوَّر، على أساس المعنى الإنساني المختلف؛ أي إذا اتفقنا أنَّ الانطباع السطحي الذي تحمله الصورة هو أنها شكل مُسطّح بأبعادٍ يحمل معنى ما؛ فإننا ننطلق من هذا الاتفاق السطحي إلى ما هو أعمق، وهو أنَّ هذا المسطح يَعكِس شيئًا ما، جُرِّد من أبعاد المكان وشَخصِهِ المُصوَّر، فحين تتعدد القراءات وتَنبثقُ منها جائزة، فإنَّ هذا يعود على أضلاع الصنعةِ ومنهم المُصوَّر، ومن جهةٍ ثانية فإنَّ تعدديةَ التلقي -هنا- مصدرها هيكل الصورة إضافة إلى تصورات المتلقين، والجامع المُجرد لها هو مفهوم الإنسان، ومن ثَمَّ إشراك الإنسان المُصوَّر في العائد المالي، فضلًا عن كون المصوَّرين مسحوقين في حياتهم، شاركوا ياسر في تصويرهم؛ بِنيّةٍ لها معنى لحظي لطيف؛ لهذا كانَ ياسر إنسانيًا بمعانٍ حِسّية حديثة، متزامنة مع تغير الأدوات؛ بما أنَّ الفوتوغرافيا نِتاجُ العلم، لكنه يُبحر فيما وراء العلم، لهذا رأينا ياسر يُشير إلى استحقار الفوتوغرافيا مِن قِبل الطبقات الميسورة في مصر -بصفته عَمل هامشي- ومن هنا فإنَّي أشيرُ إلى معنى يُرصَدُ -بصفته مواجهة للمعاني المتعالية- وهو رفض أبويّة علمية تحاول تزمين الأمكنة ومراقبة الإنسان ليُعاقبَ بسجونِ المجتمع العلمي العابر للقارات.

والآنَ: أنظرُ إلى قبر ياسر نظرة جمالية؛ نبعت من كرسيِّ العم جمال، الذي التقطه ياسر صُدفةً، أثناء تركيزه على عملِ ورشة جمالٍ نفسِه، فتحوّلَ إلى معنى إنساني مختفٍ في زوايا المكان.