سليمان العساف

أعلنت سيريلانكا قبل أيام إفلاسها وعجزها عن سداد خدمة الدين أو الأقساط لديونها البالغة 51 مليار دولار، علمًا أنه يتوجب عليها أن تدفع 7 مليارات سنوياً، كذلك أعلنت التوقف عن بيع الوقود للمواطنين، وهي أول دولة تقوم بمثل هذا التصرف منذ نصف قرن.

كانت سيريلانكا تسمى جنة الله في أرضه وجوهرة المحيط الهندي بعدد سكان 22 مليون نسمة، وكانت من البلدان المتوسطة اقتصاديا ومعدل نمو الناتج المحلي منذ 2003 حتى 2010 يقارب 6.3 % ومن 2010 حتى 2018 معدل النمو يقارب 6. 5 %، وهي نسبة مرتفعة وجيدة، خاصة إذا علمنا أن نسبة الفقر1. 4 %، ويبلغ ناتجها المحلي 90 مليار دولار، ويعتمد اقتصادها على السياحة والزراعة والمنسوجات.

ثم تسلمت حكومة جديده مقاليد الحكم في البلاد فقررت التوسع في الإنفاق والتوسع في الاقتراض وإجراء تغيرات على الضرائب، وقامت بجميع ما سبق بدون أن تكون هناك زيادة في المداخيل أو وجود موارد اقتصادية مستمرة ومضمونة تساند وتدعم هذه التغييرات (تصرفوا مثل الموظف الذي يعيش على دخله ويترك وظيفته ليبدأ مشروع أحلامه بدون دراسة مسبقة واقعية، وبدون أن يجرب سير عمله أو أن يكون لديه مورد ثابت للدخل)، بالإضافة إلى الفساد الذي أطل برأسه البغيض هناك.

علاوة على ذلك وقعت الطامة بجائحة كورونا، وما تلاها من الإغلاق التام وتعطل السياحة، مما أدى إلى إصابة الحكومة بمقتل فتدهورت الأحوال الاقتصادية للحكومة وللمواطنين وارتفع التضخم إلى 30 % وارتفع الفقر بين السكان إلى أربعة أضعاف ما كان عليه سابقاً، وانهارت العملة من 113 روبية مقابل الدولار سابقا إلى حوالي 360 روبية حاليا، مما يعني انهيارها بثلاثة أضعاف، وأصبح الدين يمثل 130 % من الناتج المحلي، مما جعل موضوع اقتراضها من الدول الأخرى شبه مستحيل لانخفاض تصنيفها الائتماني إلى درجة الخطر.

وللعلم فإن 10 % من ديونها لصالح الصين ويوجب عليها دفع 1.4 مليار دولار سنوياً للصين (قروض وفوائد)، ومعلوم عن الصين توسعها في إقراض الدول الفقيرة التي تملك موارد وثروات طيبة أو مواقع إستراتيجية بما يسمى الاحتلال الناعم أو إيقاع الدول في فخ الديون الصيني، ولعدم قدرة سيريلانكا على السداد استحوذت الصين على ميناء هامبنتون الإستراتيجي (علما أن الحكومة الصينية تملك -جزئيا- أو تدير 95 ميناء في جميع أنحاء العالم، ومن بين الموانئ الـ95 يوجد 22 ميناء في أوروبا، و20 ميناء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و18 ميناء في الأمريكيتين، و18 ميناء في جنوب وجنوب شرق آسيا، و9 موانئ في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى).

كما أن الحكومة السيريلانكية في طريقها لبيع الخطوط السيريلانكية وشركة الكهرباء وشركة النفط الوطنية، ومن يدري فربما أنها ستبيع كل شيء قابل للبيع! أعتقد أن أسباب الانهيار الاقتصادي يعود بدرجة رئيسة إلى السياسات الاقتصادية الخاطئة التي تفاقمت ثم اتباع سياسة الهروب للأمام، وهذا السبب يحتاج إلى تفصيل أوسع فيما بعد.