معين بسيسو

بعد هزيمة حزیران 1967، دشنت غالبية النقاد والشعراء والدارسين بكسر زجاجات الحبر باخرة ما أسمته بالأدب الحزيراني، ونزلت الباخرة الحزيرانية إلى الشارع الأدبي، وليس إلى الماء بالطبع، وبهذا التدشين تمت عملية القفز بالبارشوات فوق سنوات طويلة دامية سبقت حزيران 1967، وتم الهبوط فوق أرض مطار حزیران وبدا للجميع - وللوهلة الأولى - كمن يصاب بطلقة رصاص - فلا يحس بها إلا بعد لحظات - إن الكارثة كلها، التي طعنت الأمة العربية في صدرها وظهرها، كانت حصيلة ستة أيام هي أيام الحرب - التي لم نخضها ـ لمائة سبب وسبب.

لقد تمت - وبأعلى مستوى من مستويات الغوغائية إهالة التراب على كل ما حملته السنوات القاسية الماضية، من كل صور وأشكال العسف والبوليسية، والمصادرة للحريات، والرقابة، إلى آخر حلقة من حلقات مسلسل القمع.. ولملف التاريخ فهناك مجموعة قليلة من الشعراء والنقاد، والكتاب لم يشتركوا بآلاتهم الموسيقية في «أوركسترا حزيران»، وللأسف الشديد، فأصوات الأبواق والطبول التي انطلقت تقصف، قد طغت على صوت البيانو... - إن العصي في أدبنا العربي - العصي التي تضرب - الورق - ما تزال أكثر تأثيرًا، من الأصابع التي تضرب أمشاط - البيانو -

وللحقيقة، فلقد قدمت الجوقة الموسيقية لحزيران كل موسيقى وكلمات الرقصات، التي رقصت الحركة الأدبية على أنغامها طويلًا.

لقد ظلت الجوقة الموسيقية الحزيرانية تعزف، وتقيم" حفلات الزار»، في طول الوطن العربي وعرضه حتى وصلت من الأرض المحتلة، أصوات شعرائها.. وكانت أصوات بريئة ومتواضعة تحمل فوق أصابعها لهب رفض الاحتلال، وبدلًا من إحاطة تلك الأصوات بالدراسة الموضوعية والتقييم العلمي، ودفعها إلى أمام، كجدول من جداول الشعر العربي، إن الانقضاض على تلك الأصوات الشعرية ولم يتم الانقضاض بشكل عفوي، ومن غالبية النقاد والدارسين، الذين قاموا بتدشين باخرة حزيران، بل بشكل منظم مدروس، فالنضال ضد الإرهاب الإسرائيلي بالطبع، ليس أكثر سهولة فقط، بل أكثر أمنا - من النضال، ضد أي ارهاب يمارس، في هذا الوطن العربي أو ذاك، والمطالبة بإطلاق سراح شاعر معتقل أو كاتب سجين، في الزنزانة الإسرائيلية، أكثر ضمانًا، من المطالبة بإطلاق سراح شاعر سجين، أو كاتب معتقل.

إنني أتكلم عن هذه الظاهرة في عموميتها، رغم وجود بعض الأصوات التي انطلقت تدين الإرهاب حيثما وجد.لقد قاموا بتغليف حملة دعايتهم لشعر الأرض المحتلة بشعارات سياسية - فكتبوا الكتب، وألفوا الدراسات وتم نشر عشرات الدواوين، في عشرات الطبعات الخاصة والعامة كانوا ذبابة تقع على الجرح لكي تمتصه.

ولقد صوروا أنفسهم (نحلة) تقع على الجرح الفلسطيني لكي تصنع أقراص العسل، ولم تكن أقراص العسل لأيدي الشعراء في الأرض المحتلة - بل كانت لأفواه تلك الجوقة...

... ثم جاءت حرب تشرين: الذين دشنوا باخرة حزيران، والأسطول الجوي - لشعر الأرض المحتلة هم أنفسهم الذين تصدوا لأدب حرب تشرين وصرخوا جميعًا من هنا نبدأ وللمرة الثانية، كان الانتصار وقع في أيام الحرب وحدها.

عملية دخول إلى الحمام التركي، وعملية خروج منه... بثياب نظيفة... وفقاعات الصابون لا تزال فوق الوجوه، تملأ العيون والأفواه، والآذان أيضًا...

مثل تلك الإهانة لأدبنا العربي، يجب أن تتوقف.. وأن تتوقف بكتابة مقال ولا ألف.. ولكن بدراسات تحليلية جادة، يقوم بها نقاد ليسوا من فصيلة الثعالب بالطبع - الذين يكتبون بذيولهم - وعناقيد الدالية في أفواههم - ويعاملون الأدب العربي معاملة الكباريه، فهم کراقصات شارع الهرم، يتنقلن بثوب الرقص من كباريه إلى آخر، حتى مطلع الفجر.. ولقد قدمن مختلف الرقصات، وجلسن على مختلف الموائد، وقلن لكل زبون على حدة أنه الزبون المفضل أو الشاعر المفضل..

في اعتقادي أن مثل تلك الدراسة والدراسات الجادة، يمكن أن يقوم بها الجيل الجديد من نقادنا، ولقد فعل هذا الجيل الجديد، الكثير في مجال السينما، والفن التشكيلي والمسرح، ويمكن لنقاد جدد آخرين، أن يفعلوا الكثير في مجال النقد الأدبي. هم موجودون بالفعل.. ولا بد أن يقوموا بواجبهم، فيطردوا من الهيكل المرابين وباعة الحمام، والذين نراهم دائمًا على أبواب كل مزاد علني أدبي.

1974*

*شاعر وكاتب فلسطيني «1928 - 1984».