المدينة تتعارض بشدّة مع حياة الترحال للعرب أو الأعراب. إذْ كانت تفرز هويَّةً لذاتها، وشعورًا بالانتماء أو الانتساب خاصًا جدًا. وكانت تتمتع بهيبةٍ حضاريةً لا تضاهى. لكنَّ المدينة والقبيلة كانتا من ناحيةٍ ثانية تعيشان في تفاعل لا سيما عشيّة ظهور الإسلام. فالقرن السادس هو عصر الجاهليّة كما حدَّدها القرآن، أي عصر العنف والجهل الذي سبق الإسلام. وهذه الجاهليةُ تمثّل الواقع العربي الأخير والأكثر جدَّة، واقع اليمن الخاضع للأجنبي، من أحباش وفرس، واقع صعود مكَّة، واقع الهيمنة البدويّة العددية، واقع ذروة الحيرة والغساسنة. ومما لا شك فيه أنَّ الظاهرة المكيّة يتعيّن اعتبارها، في ضوء ما سيجري لاحقًا، كأنها الظاهرة الأولى، لأنّها الأكثر امتلاء بالمستقبل. لكنْ عشيّة ظهور الإسلام، لم يكن واضحًا أنَّ مكَّة كانت أهم من الحيرة أو حتى من صنعاء، العاصمة اليمنيّة الجديدة. إن أهميَّة مكَّة تنبع من كونها كانت مدعوة لتنظيم وتدبير القوى الجديدة للعروبة البدويّة، ولإجراء عمليّة وصل بين العالمين، الداخلي والخارجي، عالم القبيلة وعالم المدينة، بشكلٍ لم يحدث أبدًا من قبل. صحيح أن الحيرة كانت تمثَّل قوَّة، لكنّها قوَّة مدعومة من الأجنبي، الإمبراطورية الساسانيّة، ولم تستطيع أبدًا توسيع نفوذها إلى كل الجزيرة العربية، كما أنها لم تكن حاملة المستقبل بالنسبة إلى العرب. وكان اليمنُ قد فقدَ المبادرة التاريخيّة وتهمَّش في الوقت الذي كان يزداد فيه بداوةً من ناحية ثانية، فاقدًا بذلك يمنيَّته الصّرف، ولم يعد عالم الشمال، عالم عرب الماضي الأوائل، قادرًا على القيام بدوره كوسيط ثقافي. فقد تلاشت مدنُه العربيّة ولم يبقَ فيه سوى واقع الهجرة الوحيدة، الهجرة التي نقلت من الجنوب إلى الشمال عرب اليمن الذين صاروا قُضاعة، مع مزايا وسمات بدوية صرفة، وخاضعين لبيزنطة فوق ذلك.
الظاهرة الكبرى في الجاهليَّة، الأمر الذي يكوّن قوتها الانفجارية والجديدة، هو ظهور الجزيرة العربية ما بين عالمين، أو بروز شبه الجزيرة العربية الوسطى، تلك المحصورة ما بين سوريّة واليمن، في وقتٍ واحد مع انحطاط هذين القطبين النائيين.
والحال فإن هذه الجزيرة العربية الوسطى، التي كانت في الماضي مركز وجود أنثروبولوجي صامت ومتناثر، اتجهت في طريق الانتظام في اتجاه الأساسين الكبيرين، أساس البداوة وأساس التحضّر. فقد كان العالم البدوي ينبني حول القبيلة، وكان عالم الحاضرة ينبني حول الحَرَم، في الحجاز كما في اليمامة، مع ظهور مدن جديدة، لا سيما مكَّة. إن القبيلة البدويّة تفرز أرستقراطية محاربة، أرستقراطية الأشراف، وتزوّد نفسها بخطباء وشعراء وبشبه فروسيَّة، وتقدّم نفسها كهيئة أو كجهاز سياسي. أما مدن الحجاز التي كانت لا تزال هشة، مدن مكّة والطائف ويثرب، فقد أنشئت هي أيضًا على الأساس القَبَلي، لكنَّها كانت تستمد مادة وجودها من الزراعة أو التجارة. وكانت مكّة قائمة في وسط الحرم أو الأرض المقدّسة، الحرم الأهم في كل الجزيرة العربية نظرًا لكونه مركز حج يتجلّى فيه، بكل نصاعة، تفاعل المدينة والقبائل. ولقد أمكن الكلامُ في موضوعها عن أرستقراطية دينيّة تناظر الأرستقراطية الحربية لدى كبريات القبائل الرعويَّة والبدويّة.
كان المشترك بين تلك الجزيرة العربية أنّها لم تكن تعرف مبدأ الدولة، إذ إنّها كانت تنظّم وجودها، كل أنواع الحياة المتداخلة، على أساس القبيلة. وفيما يتعدّى الفصل بين البدو والحضرِ، فيما يتعدّى التفتيت القَبَلي، كان العربُ موّحدين بالدم واللغة. (Staatsnation) وليس أمة الدولة، (Kulturnation) والدين. فكانوا يشكّلون أمة ثقافية إذْ كانت القبيلة، فضلا عن العشيرة، تزوّدُ الفرد بهويّته، وتشكّل جماعة تضامنيَّة مؤسسة على الدم أي على النسب إلى جد مشترك من طريق خط الأب. لكنَّها كانت أيضًا جهازًا سياسيًا يتولى العلاقات مع الخارج، ويعلن الحرب ويقرّر حركات الهجرة ويحمي الفرد من خلال مؤسسة الثار. فكانت إلى حدٍ كبير تحل محل الدولة: إذ كان لكل قبيلة بيتها القيادي، البيت، الذي يجري فيه تعيين أسيادها، إلا أنه لم يكن يمارس سلطة قهريَّة. كان ذلك التنظيم عامًا، ويمكن أن نجده لدى أشباه البدو في الشرق، بكر وعبد القيس. ولدى كبار البدو في نجد، تميم وأسد، ولدى قيس في الحجاز، ولكنّنا نجده أيضًا في مكّة مع قريش، وفي يثرب مع الأوس والخزرج، وفي الطائف مع ثقيف. وكان ذلك التنظيم يسمح لسفحي العروبة، البدوي والحضري، أن يجدا لغةً مشتركة وموقفًا مشتركًا وقيمًا مشتركة. مع ذلك، كان يُعزى لأهل المدن، لا سيما لقريش، عقليَّة خاصة مختلفة عن عقليّة البدو، كانت ترسم ما يشبه الحدود ما بين العالمين.
إن مضر وقيس وربيعة وجميع عرب وسط الجزيرة، مهما كانوا، إنما يتحدّرون من جدٍ أوّل واحد أو مفترض أنّه أول. وكانت روابط الدم توحدهم في شبكة التقسيم التي كانت القبائل تنحصر فيها، في مراحل مختلفة. وبالكيفيَّة عينها، تقدّم التوحيد اللساني حتى تحديد لغتين: لغة التواصل والتخاطب اليومي المرتبطة بمراكز الحجاز الحضرية، ولغة مشتركة، مؤسلبة، مجرّدة، مطهَرة، لغة الشعر التي كانت كلام بدو الشمال والوسط.
1991*
* كاتب وباحث أكاديمي تونسي «1935 - 2021».
الظاهرة الكبرى في الجاهليَّة، الأمر الذي يكوّن قوتها الانفجارية والجديدة، هو ظهور الجزيرة العربية ما بين عالمين، أو بروز شبه الجزيرة العربية الوسطى، تلك المحصورة ما بين سوريّة واليمن، في وقتٍ واحد مع انحطاط هذين القطبين النائيين.
والحال فإن هذه الجزيرة العربية الوسطى، التي كانت في الماضي مركز وجود أنثروبولوجي صامت ومتناثر، اتجهت في طريق الانتظام في اتجاه الأساسين الكبيرين، أساس البداوة وأساس التحضّر. فقد كان العالم البدوي ينبني حول القبيلة، وكان عالم الحاضرة ينبني حول الحَرَم، في الحجاز كما في اليمامة، مع ظهور مدن جديدة، لا سيما مكَّة. إن القبيلة البدويّة تفرز أرستقراطية محاربة، أرستقراطية الأشراف، وتزوّد نفسها بخطباء وشعراء وبشبه فروسيَّة، وتقدّم نفسها كهيئة أو كجهاز سياسي. أما مدن الحجاز التي كانت لا تزال هشة، مدن مكّة والطائف ويثرب، فقد أنشئت هي أيضًا على الأساس القَبَلي، لكنَّها كانت تستمد مادة وجودها من الزراعة أو التجارة. وكانت مكّة قائمة في وسط الحرم أو الأرض المقدّسة، الحرم الأهم في كل الجزيرة العربية نظرًا لكونه مركز حج يتجلّى فيه، بكل نصاعة، تفاعل المدينة والقبائل. ولقد أمكن الكلامُ في موضوعها عن أرستقراطية دينيّة تناظر الأرستقراطية الحربية لدى كبريات القبائل الرعويَّة والبدويّة.
كان المشترك بين تلك الجزيرة العربية أنّها لم تكن تعرف مبدأ الدولة، إذ إنّها كانت تنظّم وجودها، كل أنواع الحياة المتداخلة، على أساس القبيلة. وفيما يتعدّى الفصل بين البدو والحضرِ، فيما يتعدّى التفتيت القَبَلي، كان العربُ موّحدين بالدم واللغة. (Staatsnation) وليس أمة الدولة، (Kulturnation) والدين. فكانوا يشكّلون أمة ثقافية إذْ كانت القبيلة، فضلا عن العشيرة، تزوّدُ الفرد بهويّته، وتشكّل جماعة تضامنيَّة مؤسسة على الدم أي على النسب إلى جد مشترك من طريق خط الأب. لكنَّها كانت أيضًا جهازًا سياسيًا يتولى العلاقات مع الخارج، ويعلن الحرب ويقرّر حركات الهجرة ويحمي الفرد من خلال مؤسسة الثار. فكانت إلى حدٍ كبير تحل محل الدولة: إذ كان لكل قبيلة بيتها القيادي، البيت، الذي يجري فيه تعيين أسيادها، إلا أنه لم يكن يمارس سلطة قهريَّة. كان ذلك التنظيم عامًا، ويمكن أن نجده لدى أشباه البدو في الشرق، بكر وعبد القيس. ولدى كبار البدو في نجد، تميم وأسد، ولدى قيس في الحجاز، ولكنّنا نجده أيضًا في مكّة مع قريش، وفي يثرب مع الأوس والخزرج، وفي الطائف مع ثقيف. وكان ذلك التنظيم يسمح لسفحي العروبة، البدوي والحضري، أن يجدا لغةً مشتركة وموقفًا مشتركًا وقيمًا مشتركة. مع ذلك، كان يُعزى لأهل المدن، لا سيما لقريش، عقليَّة خاصة مختلفة عن عقليّة البدو، كانت ترسم ما يشبه الحدود ما بين العالمين.
إن مضر وقيس وربيعة وجميع عرب وسط الجزيرة، مهما كانوا، إنما يتحدّرون من جدٍ أوّل واحد أو مفترض أنّه أول. وكانت روابط الدم توحدهم في شبكة التقسيم التي كانت القبائل تنحصر فيها، في مراحل مختلفة. وبالكيفيَّة عينها، تقدّم التوحيد اللساني حتى تحديد لغتين: لغة التواصل والتخاطب اليومي المرتبطة بمراكز الحجاز الحضرية، ولغة مشتركة، مؤسلبة، مجرّدة، مطهَرة، لغة الشعر التي كانت كلام بدو الشمال والوسط.
1991*
* كاتب وباحث أكاديمي تونسي «1935 - 2021».