حين تجلس مع العم طلال سعد الحريري الزهراني (61 عاما)، وهو أحد أبناء مكة المكرمة، في مركازه الخشبي العتيق في قلب مكة المكرمة، لا يكتفي الرجل بسرد القصص، بل يجعلك تشم رائحة «البخور الجاوي»، وتسمع صليل فناجين القهوة، ويأخذك في رحلة بعيدة في ذكريات شهر رمضان ومكة المكرمة، وهي ذكريات عامرة بالحكايا والحواتيت.
يقول الحريري، وهو يعدل «غترته»: «يا ولدي رمضان في مكة المكرمة ليس شهراً في التقويم، بل هو رئة نتنفس بها طوال العام».
ويستذكر الحريري البدايات، فيقول «قبل أن يهل هلال الشهر الفضيل نجتمع في (الشعبنة). هي عادة لا نقطعها، حيث تجتمع العائلة كلها في استراحة أو بيت كبير، نأكل ونضحك ونصلح ما فسد من العلاقات، لنستقبل رمضان المبارك بقلوب بيضاء، كما هي ثيابنا المكية».
سفرة رمضانية بنظام
حين يصل الحديث إلى مائدة الإفطار في رمضان، يبتسم الحريري، ويقول «سفرتنا لها نظام لا يتغير. يبدأ المؤذن (الله أكبر)، فنرتشف (القهوة) السعودية مع التمر (السكري) أو (الروثانة). لكن البطل الحقيقي هو الشوربة، إنها الحب الذي يُطبخ على نار هادئة، ومعها السمبوسة المقرمشة والفول المكي ولا تنسَ سوبيا الخضري أو سوبيا شعير، التي نشتريها من بائعين نعرفهم بالاسم منذ ثلاثين عاماً».
إرث الخدمة
يعرج الحريري في حديثه إلى المسجد الحرام، ويقول «أجمل لحظاتنا كمكيين هي تلك التي نقدم فيها خدماتنا لضيوف الرحمن. ترى الصغير قبل الكبير يحمل (سفرة الإفطار) ويركض بها نحو الحرم. نحن لا ننتظر شكراً، بل نعد إطعام الصائمين في ساحات الحرم (إرثاً) تركه لنا الأجداد.
المكي الحقيقي هو من يترك بيته ليفطر مع المعتمرين، يتقاسم معهم التمر والزبادي».
لا نوم
«في مكة المكرمة لا نعرف النوم في رمضان»، هكذا يصف الحريري حال مكة المكرمة في رمضان، ويتناول حركة الأحياء بالتفصيل، فيضيف «بعد صلاة التراويح، تفتح (البسطات) أبوابها. تجد الشباب في الحارات يبيعون البليلة بالخل والشمندر، وتجد آخرين يشوون الكبدة الطازجة. تسمع الأهازيج المكية، وترى الأطفال يلعبون (البرجون) أو (الضومنة) في زقاق الحارة، بينما الكبار يتسامرون في المركاز حتى وقت السحر».
وينصح الحريري شباب اليوم، ويقول «أقول لشبابنا تمسكوا بروح الحارة. رمضان في مكة المكرمة هو (الجيرة) و(الفزعة). وزمان أول إذا طبخت جارتك (بخاري) لا بد أن يصلك صحن، وإذا صنعت أنت (منتو) لا بد أن ترسل لها. هذه هي مكة المكرمة، مدينة مفتوحة الأبواب والقلوب».
المركاز ملتقى
بدوره، يستعيد العم عبدالله بن حسين العمري (75 عاماً)، وهو أحد قاطني حي الإسكان في مكة المكرمة ذاكرة رمضان القديمة، وهو يجلس في مركاز الحي الذي لا يخلو من رواده بعد صلاة التراويح، قائلاً «المركاز في حي الإسكان كان وما يزال ملتقى الجميع، هنا نتعلم معنى الجيرة والاحترام، في رمضان بالذات، ما كنا نتفرق بعد الصلاة، كل واحد يمر على المركاز، نشرب القهوة ونتبادل الأحاديث، ونسمع سوالف الكبار عن مكة زمان».
ويضيف «المركاز ما هو بس جلسة، هو حل مشاكل، وإذا صار خلاف بين اثنين ينحل هنا قبل ما يكبر، والشباب يجلسون يسمعون، ويتعلمون كيف يكون الرجل مع جيرانه، والكل ينتظر السحور جماعة، وخلال هذه الفترة ما بين الإفطار والسحور يكون المركاز مجهز بالشاي وبعض الأكلات الخفيفة في أجواء تسودها الألفة والمحبة».
ويختم «اليوم تغيرت أشياء كثيرة، لكن إذا بقي المركاز بقيت روح الحي، لاسيما وأن رمضان في مكة المكرمة ما هو أكل وعبادة فقط، بل هو تواصل ورحمة، وحي الإسكان شاهد على ذلك».
ملامح رمضانية في مكة المكرمة
ـ خدمة الصائمين والمعتمرين في ساحات المسجد الحرام إرث متكرر
ـ المكيون يسبقون رمضان بـ(الشعبنة) فتتصافى النفوس ويصلحون ما فسد من علاقات
ـ يبدأ المكيون إفطارهم بارتشاف القهوة السعودية مع التمر السكري أو الروثانة
ـ الشوربة والسمبوسة المقرمشة والفول المكي وسوبيا الخضري أو سوبيا شعير من تقاليد الإفطار الرمضاني المكي
ـ بعد صلاة التراويح، تفتح (البسطات) أبوابها فتباع البليلة بالخل والشمندر، والكبدة المشوية الطازجة
ـ يلعب الأطفال بعد الإفطار (البرجون) أو (الضومنة) في أزقة الحواري
ـ يتسامر الكبار في المركاز حتى وقت السحور
ـ يتبادل المكيون أطباق الطعام قبيل الإفطار
يقول الحريري، وهو يعدل «غترته»: «يا ولدي رمضان في مكة المكرمة ليس شهراً في التقويم، بل هو رئة نتنفس بها طوال العام».
ويستذكر الحريري البدايات، فيقول «قبل أن يهل هلال الشهر الفضيل نجتمع في (الشعبنة). هي عادة لا نقطعها، حيث تجتمع العائلة كلها في استراحة أو بيت كبير، نأكل ونضحك ونصلح ما فسد من العلاقات، لنستقبل رمضان المبارك بقلوب بيضاء، كما هي ثيابنا المكية».
سفرة رمضانية بنظام
حين يصل الحديث إلى مائدة الإفطار في رمضان، يبتسم الحريري، ويقول «سفرتنا لها نظام لا يتغير. يبدأ المؤذن (الله أكبر)، فنرتشف (القهوة) السعودية مع التمر (السكري) أو (الروثانة). لكن البطل الحقيقي هو الشوربة، إنها الحب الذي يُطبخ على نار هادئة، ومعها السمبوسة المقرمشة والفول المكي ولا تنسَ سوبيا الخضري أو سوبيا شعير، التي نشتريها من بائعين نعرفهم بالاسم منذ ثلاثين عاماً».
إرث الخدمة
يعرج الحريري في حديثه إلى المسجد الحرام، ويقول «أجمل لحظاتنا كمكيين هي تلك التي نقدم فيها خدماتنا لضيوف الرحمن. ترى الصغير قبل الكبير يحمل (سفرة الإفطار) ويركض بها نحو الحرم. نحن لا ننتظر شكراً، بل نعد إطعام الصائمين في ساحات الحرم (إرثاً) تركه لنا الأجداد.
المكي الحقيقي هو من يترك بيته ليفطر مع المعتمرين، يتقاسم معهم التمر والزبادي».
لا نوم
«في مكة المكرمة لا نعرف النوم في رمضان»، هكذا يصف الحريري حال مكة المكرمة في رمضان، ويتناول حركة الأحياء بالتفصيل، فيضيف «بعد صلاة التراويح، تفتح (البسطات) أبوابها. تجد الشباب في الحارات يبيعون البليلة بالخل والشمندر، وتجد آخرين يشوون الكبدة الطازجة. تسمع الأهازيج المكية، وترى الأطفال يلعبون (البرجون) أو (الضومنة) في زقاق الحارة، بينما الكبار يتسامرون في المركاز حتى وقت السحر».
وينصح الحريري شباب اليوم، ويقول «أقول لشبابنا تمسكوا بروح الحارة. رمضان في مكة المكرمة هو (الجيرة) و(الفزعة). وزمان أول إذا طبخت جارتك (بخاري) لا بد أن يصلك صحن، وإذا صنعت أنت (منتو) لا بد أن ترسل لها. هذه هي مكة المكرمة، مدينة مفتوحة الأبواب والقلوب».
المركاز ملتقى
بدوره، يستعيد العم عبدالله بن حسين العمري (75 عاماً)، وهو أحد قاطني حي الإسكان في مكة المكرمة ذاكرة رمضان القديمة، وهو يجلس في مركاز الحي الذي لا يخلو من رواده بعد صلاة التراويح، قائلاً «المركاز في حي الإسكان كان وما يزال ملتقى الجميع، هنا نتعلم معنى الجيرة والاحترام، في رمضان بالذات، ما كنا نتفرق بعد الصلاة، كل واحد يمر على المركاز، نشرب القهوة ونتبادل الأحاديث، ونسمع سوالف الكبار عن مكة زمان».
ويضيف «المركاز ما هو بس جلسة، هو حل مشاكل، وإذا صار خلاف بين اثنين ينحل هنا قبل ما يكبر، والشباب يجلسون يسمعون، ويتعلمون كيف يكون الرجل مع جيرانه، والكل ينتظر السحور جماعة، وخلال هذه الفترة ما بين الإفطار والسحور يكون المركاز مجهز بالشاي وبعض الأكلات الخفيفة في أجواء تسودها الألفة والمحبة».
ويختم «اليوم تغيرت أشياء كثيرة، لكن إذا بقي المركاز بقيت روح الحي، لاسيما وأن رمضان في مكة المكرمة ما هو أكل وعبادة فقط، بل هو تواصل ورحمة، وحي الإسكان شاهد على ذلك».
ملامح رمضانية في مكة المكرمة
ـ خدمة الصائمين والمعتمرين في ساحات المسجد الحرام إرث متكرر
ـ المكيون يسبقون رمضان بـ(الشعبنة) فتتصافى النفوس ويصلحون ما فسد من علاقات
ـ يبدأ المكيون إفطارهم بارتشاف القهوة السعودية مع التمر السكري أو الروثانة
ـ الشوربة والسمبوسة المقرمشة والفول المكي وسوبيا الخضري أو سوبيا شعير من تقاليد الإفطار الرمضاني المكي
ـ بعد صلاة التراويح، تفتح (البسطات) أبوابها فتباع البليلة بالخل والشمندر، والكبدة المشوية الطازجة
ـ يلعب الأطفال بعد الإفطار (البرجون) أو (الضومنة) في أزقة الحواري
ـ يتسامر الكبار في المركاز حتى وقت السحور
ـ يتبادل المكيون أطباق الطعام قبيل الإفطار