عبدالله الجديع

مع كل رشقة صواريخ إيرانية على دول الخليج كانت هناك حزمة تسابقها من المنشورات في بعض الصحف ومواقع التواصل، تتحدث عن الخطر الإسرائيلي الداهم للمنطقة العربية ولا تلتفت إلى الاعتداء الإيراني على دول الخليج، ثم تعيد إيران الكرة فيعيد هؤلاء النشر، كأن بهم صمم عن سماع أصوات الانفجارات القريبة، وإن تعرضوا لذلك فبصوت خافت كأنهم يهمسون بسر يعاب قوله جهرًا، أو قل بحياء ينافس البكر في خدرها، كأن على الخليجي أن يحدق بعيدًا متأملًا معهم في الأخطار الاستراتيجية بعيدة المدى من خطورة تمدد النفوذ الإسرائيلي في المنطقة دون أن يعبأ بما يضيء سماء ليله ويستهدف دولته وأهله وبيته، هذا الجحود في تناول هؤلاء للاعتداء الإيراني على الدول العربية يسمى عمقًا سياسيًا في عرفهم، ويحسبون بعدها أنفسهم على عالم النخبة الثقافية العربية!

إن الحياد الذي سلكه هؤلاء في التعامل مع السلوك الإيراني بقصف دول الخليج كان سقوطًا أخلاقيًا مدويًا في قضية وجب أن تستنفر أقلامهم باكرًا لأجلها، فلم يكن أحد في الخليج بحاجة لهم عمليًا إذ لن يكون لهم دور في اعتراض مئات الصواريخ التي ترمى عليهم، بل كان هؤلاء الكتاب هم الأشد حاجة لإثبات نزاهتهم الأخلاقية، ومدى انتمائهم للشعارات التي يرفعونها، من الحديث عن اللحمة العربية، والأخوة الإسلامية، فساعة الجد آثروا الحديث عن الأخطار الإسرائيلية، في صيغة متحايلة تقضي بتفهمهم للاعتداءات الإيرانية.

ولو رجع هؤلاء إلى السياسة فلهم في التاريخ من الشواهد ما يكفي لإخراجهم من سكرتهم الأيديولوجية في التعامل مع القصف الإيراني، فهل كان رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل في غفلة عن خطر تمدد الاتحاد السوفيتي في العالم؟ حتمًا لا! فهو صاحب فكرة (الستار الحديدي) الذي طوق الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية وكانت العنوان الأول لبداية الحرب الباردة، فهو يدرك خطورة أن تبتلع الشيوعية أوروبا، وكذلك رئيس الولايات المتحدة الأمريكية حينها هو الآخر يدرك خطورة الشيوعية، ومع ذلك حين كانت ألمانيا النازية تقصف أوروبا وتهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة، لم يكونوا يطرحون حينها الحديث عن خطر تمدد السوفييت، بل وضعوا على رأس أولوياتهم وقف الاعتداءات النازية التي تطالهم، قبل أي شيء آخر.

فالأولوية القصوى لأي طبيب تكمن في وقف النزيف وأسبابه، ثم يشرع بعدها في تشخيص باقي المشكلات! ومتى عرض له مرض بأعراض حالية ويشكل خطورة فعلية لا يتركه لصالح مرض قد يكون مزمنًا لكن أعراضه لم تظهر بعد، أما هؤلاء فيريدون تشخيصًا بعيد المدى وإهمال النزيف القائم، بل ربما برر بعضهم لإيران فعلتها بحجة إزعاج الولايات المتحدة أو تشكيل ضغط اقتصادي عليها، كأن دول الخليج وسيلة لمشروع إيران! وقد قيل:

إن اللبيب إذا بدا من جسمه مرضان مختلفان داوى الأخطرا ..فما يطرحه هؤلاء يصور العرب كأنهم في (بوفيه حروب مفتوح) يتخيرون من الأخطار ما يروق لهم، فإن اختاروا إيران فإن هذا يمنع الخطر الإسرائيلي، وإن اختاروا إسرائيل اختفى الخطر الإيراني! وهذا ليس له من أثر في الواقع، فليس الناس مخيرين بين هرس الضرس، أو حمة العقرب! بل هناك خطر بعيد المدى على دول الخليج، وفي المقابل ينشط إرهاب آني تصدرت فيه إيران بأفعالها، إذ لم يصدرها أحد لهذا الدور الذي اختارته، فقد اختارت منذ البداية أن تجعل الخليج على قائمة أهدافها، وفق إستراتيجية لا تنفصل عن رؤيتها السابقة للمنطقة حين فاخرت بوجودها في أربع دول عربية، ارتكبت في سبيل ذلك كل تجاوز أخلاقي وسياسي.

ولا يمكننا أن نعمم هذا العمى في الرؤية على جميع النخب والأقلام العربية، فهناك كثيرون كان لهم موقف حاسم منذ بداية الاعتداءات الإيرانية، رأوا في ما تفعله إيران كشفًا لحقيقة نظرتها إلى العرب، فهي ترى المنطقة العربية من وسائل تحقيق مشروعها الأكبر، سواء كانت في وضعية دفاعية أو حين يطغى عليها الشره والسعي للنفوذ وتطويق المنطقة العربية من خلال اصطناع هلال يخدم مصالحها، كانت تلك الأقلام هي التي يتجسد فيها معنى الثقافة والالتزام، فلم تحجبها الصورة الصغيرة عن رؤية المشهد بعين أوسع، لقد قيم هؤلاء الأمر كما لو كانوا هم الذين يتعرضون للقصف، بل إن منهم من صرح بتراجعه عن مواقف سابقة له في قراءة المشهد حين رأى بأن القصف الإيراني لدول الخليج فاق بكثافة نيرانه ما أطلقته إيران على إسرائيل!