وائل القاسم

انتهيتُ في الجزء السابق للمقال من ذكر ستة اسباب أراها من أهم دوافع الكثيرين إلى متابعة قصص الجريمة والاستمتاع بها. وأواصلُ الحديث، بذكر المتبقي من الأسباب، ثم الاجتهاد في الإجابة عن سؤال مهم ذي علاقة، وهو: هل في الاستمتاع بقصص الجريمة خطأ أخلاقي؟

7- لا أدري ولكنّي بدأتُ مؤخرا في الميل إلى رأي تحدثت عنه بعض مراجع علم النفس الحديث –بطرق غير مباشرة غالبا– خلاصته أنّ في كلِّ إنسان –أو في غالب البشر– نسبة من السيكوباتية، وربما السادية أيضا، بشكل أو بآخر.

ولا يعني هذا أن كل البشر سيكوباتيون أو ساديون، وإنما يعني وجود درجات خفيفة من السيكوباتية أو السادية لدى الأشخاص العاديين، تختلف عن الدرجات الثقيلة الموجودة لدى السيكوباتي الحقيقي المصاب باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، الذي يفتقر تماما للضمير والتعاطف، ويستغل الآخرين بمتعة؛ وتختلف أيضا عن الدرجات الثقيلة الموجودة لدى السادي الحقيقي المصاب بحالة نفسية وسلوكية تجعله لا يحصل على الدرجة العالية من المتعة أو اللذة أو نشوة الشعور بالسيطرة والقوة، إلا من خلال إيقاع الألم والمعاناة أو الإذلال بالآخرين، سواء كان بدنيا أو نفسيا أو جنسيا.

فهذه النسبة البسيطة من الخليط السيكوباتي والسادي التي أشعر معها أحيانا بميل إلى الرأي الذي يؤكد احتمالية وجودها الفطري في الغالبية العظمى من البشر، قد تكون هي السبب الخفي الأكبر والأبرز الذي يجعلنا نستمتع بقصص الجريمة والجرائم والمجرمين.

8- طريقة سرد تلك الجرائم، حيث تأخذها بجدية كمشكلة، وتحاول تقديم حلول وعلاج، وهذا ما يجعل الأمر ممتعا أو جذابا أو مهما عند الذين يعانون من تلك المشكلة؛ فالأسرة التي تعاني من وجود مدمن بين أفرادها مثلا، قد تستهويها القصص ذات العلاقة بجرائم المخدرات لأنهم يجدون فيها متنفسا ومساحة للتفكير في مشكلة ذلك المدمن العزيز عليهم، بغية الوصول إلى حلول تخلصه من الإدمان، وقس على هذا المثال أمثلة كثيرة في مختلف أنواع الجرائم.

9- قد يكون أحد أشكال الاستمتاع بمتابعة قصص الجريمة هو استمتاع الفرد بممارسة ما قد تصح تسميته بالنقد الشخصي، الذي يعني –هنا تحديدا– تثمين الفرد لأفكاره وسلوكياته ومسار حياته، بهدف معرفة نقاط القوة لتعزيزها ونقاط الضعف لتصحيحها، وهذا قد يعد وسيلة أو أداة للتطوير، حيث يسهم في النمو والتعلم، ومصارحة النفس بأخطائها والبحث عن حلول لها.

أما السؤال الثاني الذي أريد الإجابة عنه هنا أيضا بعد أن انتهيت من سرد الأسباب، فهو: هل في هذا الاستمتاع –أو في هذا النوع من الترفيه– خطأ أخلاقي؟ وأريد الإجابة من أربعة اتجاهات:

1- يوجد – في نظري – شيء من الخطأ الأخلاقي المتعلق بكتّاب ومنتجي ومخرجي ورواة تلك القصص الإجرامية، وهو أن بعض هذه الأعمال القصصية –سواء المقروءة أو المرئية أو المسموعة– فيها الكثير من تمجيد المجرمين بشكل أو بآخر، فتصورهم أبطالا، وتوحي أن انحرافهم ممتع وشيق، وهذا قد يدفع البعض إلى الافتتان والتأثر غير الجيد؛ الذي قد يصل إلى الرغبة في تجربة تلك الجرائم أحيانا، خاصة مع تزايد وكثرة ما يصلنا بمختلف الطرق في هذا الزمن.

2- الإفراط في متابعة هذه المواد قد يسبب حالة سيئة عامة، قد تكون لها عدة أبعاد، ما قد يؤدي إلى نظرة سوداوية متشائمة للعالم من جهة، أو زيادة القلق والتوتر النفسيين لدى المشاهد من جهة ثانية، أو تطبيع السلوكيات العنيفة من جهة ثالثة.

3- بعض هذه القصص قد تفتح عيونَ المجرم أو الشخص الذي لديه قابلية لارتكاب جرائم، على أفكار إجرامية جديدة لم تخطر على باله، وهذه النقطة خطيرة جدا، وأذكر أني اطلعت قديما على عدد من الحوارات مع سجناء ارتكبوا جرائم، وجاء فيها ما يشير إلى أنهم تعلموا بعض الأفكار الإجرامية من قصص معينة وصلتهم بشكل أو بآخر.

4- انتهاك الخصوصية أحيانا؛ إذا كانت القصة حقيقية وحدثت بالفعل، فذكر القصة بتفاصيلها الدقيقة وملابساتها، قد لا يرغب فيه صاحب أو أصحاب القصة، خاصة إذا كانت تلك التفاصيل تكشف هوياتهم بشكل أو بآخر، تصريحا أو تلميحا، إضافة إلى أن بعض الضحايا والناجين من هذه الجرائم يشعرون بالألم حين تعرض مآسيهم أو مشاكلهم التي تعرضوا لها أمام الناس، وليست لهم رغبة في ذلك، فيجب احترام الخصوصية.

وختاما: كل ما ذكرته في هذه المقالة بجزئيها، لا يستلزم بالضرورة أن جميع قصص الجريمة التي تكتب أو تنتج هدفها الأول هو الترفيه والتسلية فقط، فهناك أهداف أخرى راقية موجودة أهم وأجمل، كالتثقيف والتوعية ببعض المخاطر والأضرار الناتجة عن الجريمة؛ والمأمول هو أن يزيد جانب التوعية والتثقيف النافع، وأن يطغى على جانب التسلية والترفيه.