تنفرد بلادنا دون كثير من بلاد العالم اليوم باتباعها النظام القديم من جهة النقد؛ فوحدة العملة لدينا قد أصبحت هي الريال السعودي الفضي كما هو معلوم. وهو يحمل رصيده في معدنه، فليس هو بحاجة إلى رصيد من معدن آخر لحمايته، كما تفعل الحكومات الأخرى لحماية نقودها التي استحالت إلى أوراق لا بد من حمايتها برصيد معدني من المعادن الثمينة كالذهب والفضة وما يجرى مجراها. وقد كان أحرى بنقد في ظروف مواتية كهذه الظروف أن يكون ذا قيمة نقدية كبرى، ولكن المشاهد والملموس هو العكس، والسبب في هذا يعود إلى أن العالم اليوم قد تخلص من عزلته؛ وإلى أن مسائل النقد على الخصوص حتى في أيام العزلة الدولية لابد من أن تخرج عن هذه العزلة؛ ليمكن تحريكها والاستفادة منها، ولكن ريالنا ما زال في عزلته التقليدية من جهة؛ يضاف إلى ذلك وضعيتنا الاقتصادية من جهة أخرى. فبلادنا بلاد مستوردة مستهلكة، وليست بلاداً منتجة مصدرة؛ والاستيراد يقتضي تصدير النقد إلى البلاد المصدرة، واستيراد السلع والعروض التجارية منها، وما دام النقد عندنا جامدا؛ فلا يعترف بقيمته وإن كان يحمل رصيده في رأسه؛ ذلك أن نظام النقد الدولي لا يؤمن بالعزلة ولا بالجمود، وإنما يتطلب المرونة والتحريك.
وليس غريبا أن تصل أسعار الريالات إلى السبعين للجنيه الذهبي الواحد مثلا، فإن لذلك أسباباً معروفة، ولكنا وقد ألغينا الذهب من حسابنا؛ وهو نقد ثابت - لابد من الاستعاضة عنه بنقد ثابت أيضا - والريال فضة، وهو معدن كالذهب - إذا اتخذت الوسائل لتثبيته كنقد أمكن تثبيته تثبيتاً تاماً دون اعتراض.
إن التجار هنا مرغمون على الرجوع إلى قاعدة الذهب فيما بينهم وبين أنفسهم لأن الريال كما قلنا متقلب السعر بين الصعود والهبوط، فالبلاد التي تستورد منها هذه المملكة هي في الوقت الحاضر أمريكا وإنجلترا والهند، وستكون في الأوقات القادمة بلاداً كثيرة، قد تشمل جميع البلاد المصدرة في أنحاء الدنيا العريضة الواسعة.
والتاجر حينما يريد استيراد البضائع التي يستوردها لا يمكنه أن يدفع النقد السعودي للبلاد المصدرة، فهي لا تعترف بهذا الريال، وهو مضطر لإجراء عملية تبديل في العملة حتى يستطيع تحويل رياله إلى عملة البلاد التي يريد الاستيراد منها، ومثال ذلك أن التاجر الذي يريد الاستيراد من أمريكا لا يمكن أن يقبل البنك منه ريالات مقابل الدولارات الأمريكية، لأن الدولار هنا إنما يشترى بالذهب فيضطر التاجر إلى بيع ريالاته وتحويلها إلى جنيهات ذهبية، ثم إلى بيع الجنيهات الذهبية ليشتري بها دولارات أمريكية؛ ومثل ذلك في الروبيات الهندية للتجار المستوردين من الهند، وفى الجنيهات الإسترلينية، وما يرتبط بها من نقد الشرق الأوسط للمستوردين من إنجلترا والدول التي تتحد معها في نقدها.
هذه العملية الشاقة يقوم بها التاجر للاستيراد، وهو مضطر لملاحظتها حين البيع، فهو حين يريد بيع هذه البضاعة إنما يريد استبدالها مرة أخرى بنقد ليستورد بضاعة أخرى، وهو من ثم في حاجة إلى ملاحظة السعر للعملة الأجنبية صعوداً وهبوطا، وليس الريال هو قاعدته في ذلك، وإنما هو الذهب الذي يستطيع أن يشترى به العملة الأجنبية ليستورد بها البضاعة مرة أخرى. ومن هنا تجيء أسباب صعود أسعار البضائع لدينا صعوداً غير طبيعي أو انخفاضها في بعض الأحيان انخفاضا غير طبيعي أيضاً. والتاجر يمون المستهلك، والمستهلك لا مورد له إلا الريال وهو النقد الداخلي الثابت، ومن هنا يضطرب ميزان الحياة الاقتصادية في البلاد لأن الريال لا يؤدي مفعوله كنقد ثابت، فإن ما نشتريه اليوم بريال واحد قد تشتريه غداً بريالين أو بنصف ريال مثلا، تبعاً لصعود الريال أو هبوطه في سوق الذهب، ومن ثم تبعاً لمقدار ما يؤديه من عملة أجنبية قد تصل إلى الضعف وتنخفض إلى النصف، والنقد الأجنبي الآن في تحسن وتمكين، ونقدنا في محله لا يريم. ولتوضيح هذا الكلام لمن لا يصل تفكيرهم إلى فهمه - وهو كامل الوضوح - نقول إن الجنيه المصري وهو يزيد عن الجنيه الإسترليني بقرشين ونصف مصري - كان يوما ما بثمانية ريالات سعودية وهو اليوم يساوي ما يقرب من اثني عشر ريالا، فالتاجر الذي يستورد بضاعته من إنجلترا أو من مصر إما أن يشتري الآن بضعف قيمتها على حساب الريالات السعودية، وبنفس القيمة على حساب العملة الإنجليزية والمصرية، ومعنى هذا مرة أخرى أن البضاعة المصرية أو الإنجليزية مثلا التي كانت تباع هنا بعشرة ريالات تباع اليوم بأكثر، ولا يوجد سبب واحد يدعو إلى أن يهبط نقدنا، وهو كما سبق القول حمل رصيده في رأسه، وتواتيه كل الظروف لأن يكون نقدا ثابتا معترفاً به على الدوام ومن جميع الحكومات.
هذه مشكلة يحس بها كل تاجر وكل موظف وعامل؛ وكل صغير وكبير، مشكلة الثروة القومية في المملكة كلها، ولا نريد أن نقترح العلاج، ولكنا نترك هذا الأمر ليعمل الرجال المسؤولون الذين بيدهم الأمر على تثبيت النقد وصيانته، فإن فيه صيانة لثروة الأمة وحياتها وعزتها، وليس هذا فيما أظن بخاف على فطنة المفكرين والمسؤولين.
1946*
* أديب ومؤرخ سعودي «1915 - 1996».
وليس غريبا أن تصل أسعار الريالات إلى السبعين للجنيه الذهبي الواحد مثلا، فإن لذلك أسباباً معروفة، ولكنا وقد ألغينا الذهب من حسابنا؛ وهو نقد ثابت - لابد من الاستعاضة عنه بنقد ثابت أيضا - والريال فضة، وهو معدن كالذهب - إذا اتخذت الوسائل لتثبيته كنقد أمكن تثبيته تثبيتاً تاماً دون اعتراض.
إن التجار هنا مرغمون على الرجوع إلى قاعدة الذهب فيما بينهم وبين أنفسهم لأن الريال كما قلنا متقلب السعر بين الصعود والهبوط، فالبلاد التي تستورد منها هذه المملكة هي في الوقت الحاضر أمريكا وإنجلترا والهند، وستكون في الأوقات القادمة بلاداً كثيرة، قد تشمل جميع البلاد المصدرة في أنحاء الدنيا العريضة الواسعة.
والتاجر حينما يريد استيراد البضائع التي يستوردها لا يمكنه أن يدفع النقد السعودي للبلاد المصدرة، فهي لا تعترف بهذا الريال، وهو مضطر لإجراء عملية تبديل في العملة حتى يستطيع تحويل رياله إلى عملة البلاد التي يريد الاستيراد منها، ومثال ذلك أن التاجر الذي يريد الاستيراد من أمريكا لا يمكن أن يقبل البنك منه ريالات مقابل الدولارات الأمريكية، لأن الدولار هنا إنما يشترى بالذهب فيضطر التاجر إلى بيع ريالاته وتحويلها إلى جنيهات ذهبية، ثم إلى بيع الجنيهات الذهبية ليشتري بها دولارات أمريكية؛ ومثل ذلك في الروبيات الهندية للتجار المستوردين من الهند، وفى الجنيهات الإسترلينية، وما يرتبط بها من نقد الشرق الأوسط للمستوردين من إنجلترا والدول التي تتحد معها في نقدها.
هذه العملية الشاقة يقوم بها التاجر للاستيراد، وهو مضطر لملاحظتها حين البيع، فهو حين يريد بيع هذه البضاعة إنما يريد استبدالها مرة أخرى بنقد ليستورد بضاعة أخرى، وهو من ثم في حاجة إلى ملاحظة السعر للعملة الأجنبية صعوداً وهبوطا، وليس الريال هو قاعدته في ذلك، وإنما هو الذهب الذي يستطيع أن يشترى به العملة الأجنبية ليستورد بها البضاعة مرة أخرى. ومن هنا تجيء أسباب صعود أسعار البضائع لدينا صعوداً غير طبيعي أو انخفاضها في بعض الأحيان انخفاضا غير طبيعي أيضاً. والتاجر يمون المستهلك، والمستهلك لا مورد له إلا الريال وهو النقد الداخلي الثابت، ومن هنا يضطرب ميزان الحياة الاقتصادية في البلاد لأن الريال لا يؤدي مفعوله كنقد ثابت، فإن ما نشتريه اليوم بريال واحد قد تشتريه غداً بريالين أو بنصف ريال مثلا، تبعاً لصعود الريال أو هبوطه في سوق الذهب، ومن ثم تبعاً لمقدار ما يؤديه من عملة أجنبية قد تصل إلى الضعف وتنخفض إلى النصف، والنقد الأجنبي الآن في تحسن وتمكين، ونقدنا في محله لا يريم. ولتوضيح هذا الكلام لمن لا يصل تفكيرهم إلى فهمه - وهو كامل الوضوح - نقول إن الجنيه المصري وهو يزيد عن الجنيه الإسترليني بقرشين ونصف مصري - كان يوما ما بثمانية ريالات سعودية وهو اليوم يساوي ما يقرب من اثني عشر ريالا، فالتاجر الذي يستورد بضاعته من إنجلترا أو من مصر إما أن يشتري الآن بضعف قيمتها على حساب الريالات السعودية، وبنفس القيمة على حساب العملة الإنجليزية والمصرية، ومعنى هذا مرة أخرى أن البضاعة المصرية أو الإنجليزية مثلا التي كانت تباع هنا بعشرة ريالات تباع اليوم بأكثر، ولا يوجد سبب واحد يدعو إلى أن يهبط نقدنا، وهو كما سبق القول حمل رصيده في رأسه، وتواتيه كل الظروف لأن يكون نقدا ثابتا معترفاً به على الدوام ومن جميع الحكومات.
هذه مشكلة يحس بها كل تاجر وكل موظف وعامل؛ وكل صغير وكبير، مشكلة الثروة القومية في المملكة كلها، ولا نريد أن نقترح العلاج، ولكنا نترك هذا الأمر ليعمل الرجال المسؤولون الذين بيدهم الأمر على تثبيت النقد وصيانته، فإن فيه صيانة لثروة الأمة وحياتها وعزتها، وليس هذا فيما أظن بخاف على فطنة المفكرين والمسؤولين.
1946*
* أديب ومؤرخ سعودي «1915 - 1996».