هادي اليامي

في الوقت الذي تمضي فيه المملكة العربية السعودية بثبات نحو ترسيخ نموذج وطني قائم على قيم المواطنة الجامعة وتعزيز الانتماء للدولة ومؤسساتها، تبرز بين الحين والآخر بعض المظاهر السلبية التي تحاول إعادة إنتاج أنماط من التفكير التقليدي، وفي مقدمتها النزعات القبلية وخطابات التعصب، لا سيما عبر الفضاء الرقمي.

هذه الظواهر، وإن بدت في ظاهرها تعبيرات عابرة، إلا أنها تمثل سلوكا مقلقا يتنافى مع الأسس التي قام عليها الكيان الوطني، ويتعارض مع القيم الإسلامية التي أرست مبادئ العدل والمساواة، ونبذت العصبية بكل أشكالها، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوها فإنها منتنة»، في دلالة واضحة على رفض كل ما يثير الفرقة والانقسام بين الناس.

وقد جاء الإطار النظامي في المملكة ليجسد هذا التوجه القيمي، حيث نص النظام الأساسي للحكم على مبادئ راسخة تعزز الوحدة الوطنية وتحميها. فالمادة 8 تؤكد أن الحكم يقوم على العدل والشورى والمساواة، فيما تشير المادة 11 إلى أن المجتمع يقوم على الاعتصام والتكافل ونبذ التفرق، وتُحمّل المادة 12 الدولة مسؤولية تعزيز الوحدة الوطنية ومنع كل ما يؤدي إلى الفرقة والفتنة والانقسام.

وفي السياق ذاته، عززت الأنظمة الجزائية هذا التوجه، إذ نص نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية في مادته 3/5 على تجريم الأفعال التي تنطوي على التشهير أو إلحاق الضرر بالآخرين عبر الوسائل التقنية، وهو ما يشمل بطبيعته المحتوى الذي يثير الكراهية أو يغذي التعصب أو يمس النسيج الاجتماعي.

كما أكدت النيابة العامة في بياناتها التفسيرية أن إثارة النعرات القبلية أو الدعوة إلى الكراهية بين أفراد المجتمع تعد من الأفعال المجرمة التي تستوجب المساءلة الجزائية، لما تنطوي عليه من تهديد مباشر للأمن المجتمعي وإخلال بالنظام العام. ويعكس هذا التأكيد فهما متقدما لطبيعة هذه الجرائم التي لم تعد تقتصر على الأفعال المادية، بل امتدت إلى الخطاب الرقمي وتأثيراته العميقة على الوعي العام.

ومن المهم التأكيد أن تجريم العصبية لا يعني إلغاء التاريخ أو إنكار الجذور، فالفخر بالانتماء الأسري أو القبلي يظل أمرا طبيعيا ومقبولا ما دام في إطاره الثقافي والاجتماعي الإيجابي، ولم يتحول إلى أداة للإقصاء أو وسيلة للانتقاص من الآخرين. فالإشكال لا يكمن في الانتماء ذاته، بل في توظيفه كمعيار للتفاضل أو كوسيلة لإعادة إنتاج الانقسام داخل المجتمع.

وحين يتحول هذا الانتماء إلى خطاب استعلاء، فإنه لا يستدعي الماضي بوصفه إرثا، بل يعيد إنتاجه كأداة صراع داخل الحاضر، وهو ما يتعارض مع مفهوم الدولة الحديثة التي تقوم على سيادة القانون والمساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص دون تمييز.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت بيئة خصبة لإعادة تدوير خطابات التعصب في قوالب جديدة قد تبدو في ظاهرها ساخرة أو عفوية، لكنها تحمل مضامين إقصائية تكرس التمييز وتغذي الكراهية. فالكلمة في هذا الفضاء لم تعد مجرد رأي، بل أصبحت أداة تأثير قد تسهم في تفكيك الثقة بين مكونات المجتمع إذا أسيء استخدامها.

ومن هنا، فإن التصدي لهذه الممارسات لا يقتصر على تطبيق القانون، على أهميته، بل يتطلب أيضا جهدا موازيا على مستوى الوعي، من خلال إعلام مسؤول، وخطاب ثقافي متزن، ومنظومة تعليمية تعزز قيم التعايش والاحترام المتبادل. فحماية السلم المجتمعي مسؤولية مشتركة، تتكامل فيها الأدوار بين المؤسسات الرسمية والمجتمع.

كما أن هذا التوجه يتسق مع المعايير الدولية التي تجرم خطاب الكراهية والتحريض على التمييز، وتؤكد ضرورة حماية المجتمعات من كل ما يهدد تماسكها واستقرارها، وهو ما يعكس التزام المملكة بنهج متوازن يجمع بين الخصوصية الثقافية والقيم الإنسانية المشتركة.

إن ما شهدناه من تحرك حازم من الجهات المختصة في مواجهة هذه التجاوزات يعكس وضوح الرؤية في التعامل معها بوصفها تهديدا للوحدة الوطنية، وليس مجرد تجاوزات فردية. فالوحدة الوطنية ليست شعارا، بل أساس للاستقرار وشرط للتنمية.

وفي ظل ما تشهده المملكة من تحولات كبرى في إطار رؤية السعودية 2030، فإن الحفاظ على تماسك المجتمع وتعزيز هويته الوطنية يمثلان ركيزة أساسية لاستمرار هذا المسار، ولا يمكن السماح لأي خطاب أن يهدد هذه المسيرة أو يعرقلها.

وخلاصة القول، فإن الوحدة الوطنية التزام شرعي ونظامي وقيمة عليا تتطلب من الجميع حمايتها، والتصدي بحزم لكل خطاب يهددها، أيا كان شكله أو وسيلته.