ماجد الجريوي

في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية تصنع الشهرة خلال ساعات، لم يعد بعض صناع المحتوى يبحثون عن المعرفة بقدر ما يبحثون عن «الصدمة». ومن أخطر ما نشهده اليوم ظهور أشخاص يقدمون أنفسهم على أنهم أطباء أو مختصون صحيون، ثم يبنون حضورهم الإعلامي على مهاجمة الحقائق الطبية الثابتة والتشكيك في المعلومات العلمية المتعارف عليها، ليس بدافع البحث العلمي، بل رغبة في الانتشار وتحقيق التفاعل والترند.

فكرة «مخالفة السائد» أصبحت وسيلة سهلة لجذب الانتباه. فحين يظهر شخص ليقول إن البروتين لا يفيد الجسم، أو إن الرياضة مضرة، أو إن بعض المبادئ الطبية الراسخة مجرد «خدعة»، فإنه يعلم جيدا أن المجتمع سيتفاعل معه، سواء بالرفض أو الجدل أو إعادة النشر. وهنا تتحول المعلومة الطبية من علم قائم على الدراسات والتجارب إلى مادة استعراضية هدفها زيادة المشاهدات والمتابعين.

المشكلة لا تكمن فقط في الرأي المختلف، فالاختلاف العلمي أمر طبيعي وصحي عندما يكون مبنيا على الأدلة والبحوث. لكن الخطر الحقيقي يظهر عندما يتحول التشكيك إلى أسلوب تجاري، يُستخدم فيه لقب «طبيب» أو «مختص» كأداة لإقناع الناس بأفكار تفتقر للأساس العلمي. فبعض هؤلاء يدرك أن الناس تميل بطبيعتها إلى سماع ما هو صادم وغير مألوف، لذلك يطرحون أفكارا تناقض المنطق الطبي المعروف لأنهم يعلمون أن الخوارزميات الرقمية تكافئ الجدل أكثر مما تكافئ الحقيقة.

ومع تكرار هذه الظاهرة، يبدأ المجتمع بفقدان ثقته بالمصادر العلمية الحقيقية. فالشخص العادي الذي لا يمتلك خلفية طبية قد يحتار بين طبيب يتحدث بلغة علمية هادئة، وآخر يصرخ بعناوين مثيرة ويقدم نفسه على أنه «يكشف الحقيقة المخفية». وغالبا ما ينتصر الصوت الأعلى على الصوت الأعلم في عالم التواصل الاجتماعي.

الأخطر من ذلك أن بعض الناس قد يبنون قرارات صحية مهمة بناء على هذه المعلومات المضللة. فقد يهمل شخص نظامه الغذائي، أو يرفض علاجا طبيا، أو يتبنى سلوكا ضارا فقط لأنه شاهد مقطعا مثيرا حصد ملايين المشاهدات. وهنا لا يصبح الأمر مجرد «محتوى»، بل قضية تمس صحة المجتمع ووعيه.

مسؤولية مواجهة هذا النوع من العبث لا تقع على الجهات الصحية فقط، بل على المجتمع أيضا. فالمتلقي الواعي يجب أن يدرك أن الشهرة لا تعني المصداقية، وأن كثرة المتابعين ليست دليلا على صحة المعلومات. كما يجب تعزيز ثقافة التحقق من المصادر، والعودة إلى المؤسسات العلمية والأطباء المعروفين بأمانتهم المهنية، لا أولئك الذين يتاجرون بالجدل.

العلم لا يُبنى على الصدمة، بل على الأدلة والتجارب والحقائق المتراكمة. أما تحويل الطب إلى وسيلة للترند والانتشار فهو خطر فكري وصحي يهدد وعي المجتمع، ويجعل الحقيقة أحيانا أقل انتشارا من الوهم.