منور المجنوني

تمرُّ المنظومات المؤسسية الناجحة، كما تمرُّ الكائنات الحية، بأطوارٍ من النشأة والنمو والنضج؛ فإذا بلغت طورَ النضج لم يعد السؤال: هل أدَّت وظيفتها؟ بل صار السؤال الأجدر: هل ما زال بناؤها التنظيمي قادراً على حمل ما تراكم عليها من وظائف؟ وقد نبَّه ابن خلدون في مقدمته إلى أنَّ الصنائع إذا اتسعت في العمران تشعَّبت وتخصَّصت، وأنَّ كمال الصنعة إنما يكون بانفراد أهلها بها وتجويدهم لها، لا بتكديس الصنائع المتباينة في يدٍ واحدة. ومن هذا المنطلق تأتي هذه المقالة لتطرح فكرةً إصلاحيةً محدَّدة: تجزئة الهيئة السعودية للتخصصات الصحية إلى كيانين متكاملين، يُعنى أولهما بالتدريب الطبي ومنح الزمالات تحت مسمى «الكلية الملكية السعودية للأطباء»، ويبقى ثانيهما مرجعاً وطنياً للتصنيف والتسجيل المهني لجميع الممارسين الصحيين تحت مسمى «الهيئة الملكية السعودية للتخصصات الصحية».

أُنشئت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية بمرسوم ملكي عام 1413هـ (1992م) لتكون المرجع الوطني الأعلى لشؤون الممارسة الصحية المتخصصة في المملكة. وقد اضطلعت منذ تأسيسها بحزمةٍ واسعةٍ من الوظائف الجوهرية، فهي الجهة المعنية بالإشراف على التدريب الطبي ما بعد الجامعي، وهي مانحة شهادات الزمالة السعودية في شتى التخصصات الطبية، وهي صاحبة الولاية على تصنيف الأطباء في سلَّمهم المهني من رتبة الطبيب المقيم، مروراً بالأخصائي، وانتهاءً بالاستشاري، فضلاً عن اعتماد برامج التدريب والزمالة في المستشفيات والمراكز الصحية، ومعادلة الشهادات الدولية وتصنيفها، وتسجيل جميع الممارسين الصحيين من أطباء وصيادلة وممرضين وفنيين وتخصصاتٍ صحيةٍ مساندة.

ولا يُنكر منصفٌ ما حققته الهيئة في هذه المسيرة؛ فقد أرست برنامج الزمالة السعودية حتى غدا مساراً تدريبياً معترفاً به، ووحَّدت معايير التصنيف المهني في بلدٍ يستقطب كفاءاتٍ صحيةً من عشرات الجنسيات، وأسهمت في ضبط جودة الممارسة الصحية وحماية المجتمع من الادعاء والانتحال المهني. غير أنَّ هذا النجاح ذاته هو الذي يفرض اليوم سؤال المراجعة: فالكيان الذي أُسِّس لقطاع صحي كان عدد ممارسيه يُحصى بعشرات الآلاف، صار يُدير اليوم منظومةً تضم مئات الآلاف من الممارسين، وعشرات البرامج التدريبية، وآلاف المتدربين، في ظل تحوُّل صحي وطني غير مسبوق ترسم ملامحه رؤية المملكة 2030.

جوهر الإشكال التنظيمي الذي تعالجه هذه المقالة يمكن اختزاله في عبارة واحدة: الهيئة اليوم هي المدرِّب، وهي المُمتحِن، وهي مانح الشهادة، وهي معتمِد البرامج، وهي المسجِّل والمصنِّف في آنٍ معاً. وهذا الاجتماع للأدوار، وإن كان مفهوماً في طور التأسيس حيث تشحُّ الموارد وتتطلب المرحلة مركزية القرار، يغدو في طور النضج عبئاً على الجودة ذاتها. فمن قواعد الحوكمة الرشيدة الفصلُ بين من يضع المعيار ومن يخضع له، وبين من يقدِّم الخدمة ومن يراقبها؛ إذ كيف يستقيم أن تعتمد الجهةُ برامجَها التدريبية بنفسها، ثم تمتحن مخرجاتها بنفسها، ثم تصنِّف حامليها بنفسها؟

ولعل في فكر إدوارد ديمنج، رائد علم الجودة، ما يضيء هذه النقطة؛ فقد علَّمنا ديمنج أنَّ 94 % من مشكلات الأداء مردُّها إلى النظام لا إلى الأفراد، وأنَّ إصلاح الأنظمة يبدأ من تصميمها البنيوي لا من مضاعفة الجهد داخل بنيةٍ مرهقة. فحين تتزاحم على كيانٍ واحدٍ وظيفتان مختلفتان في طبيعتهما ـ وظيفةٌ أكاديميةٌ تدريبيةٌ تحتاج نَفَساً علمياً طويلاً وقرباً من قاعات التدريس وأجنحة المستشفيات، ووظيفةٌ تنظيميةٌ إجرائيةٌ تحتاج صرامةً قانونيةً وكفاءةً في إدارة السجلات والتحقق ـ فإنَّ كل وظيفةٍ تزاحم أختها على الموارد والأولويات والقيادات، ويغدو التميُّز في إحداهما على حساب الأخرى.

الفكرة المطروحة هنا ليست اجتهاداً بلا سابقة، بل هي النموذج المعمول به في أعرق المنظومات الصحية. ففي المملكة المتحدة، يقوم المجلس الطبي العام (GMC) بوظيفة التسجيل والترخيص ومساءلة الأطباء، بينما تتولى الكليات الملكية العريقة ـ وفي طليعتها كلية الأطباء الملكية في لندن التي يمتد تاريخها إلى مطلع القرن السادس عشر، وكلية الجراحين الملكية ـ مهمةَ وضع مناهج التدريب التخصصي، وعقد الامتحانات، ومنح الزمالات والعضويات التي صارت عناوين على الجودة في العالم كله، من عضوية كلية الأطباء الملكية (MRCP) إلى زمالة كلية الجراحين الملكية (FRCS).

وفي كندا، تتوزع الأدوار على النسق ذاته: فالكليات الإقليمية للأطباء والجراحين هي جهات الترخيص والمساءلة في كل مقاطعة، بينما تنفرد الكلية الملكية للأطباء والجراحين الكندية بوضع معايير التدريب التخصصي واعتماد البرامج ومنح شهادات الاختصاص. وفي الولايات المتحدة، تمنح المجالسُ الطبية في الولايات تراخيصَ المزاولة، بينما يتولى مجلس اعتماد التعليم الطبي العالي (ACGME) اعتمادَ برامج الإقامة، وتمنح المجالسُ التخصصية المنضوية تحت المجلس الأمريكي للتخصصات الطبية (ABMS) شهاداتِ البورد. ففي هذه النظم الثلاثة ـ على تباين تفاصيلها ـ ثمة قاعدةٌ مطَّردة: جهةُ التدريب والشهادة العلمية غيرُ جهة الترخيص والتسجيل المهني، ولكلٍّ منهما هويتها ورسالتها وقياداتها.

والطريف أنَّ هذا الفصل بين الوظيفتين ليس بدعاً في تراثنا العربي الإسلامي؛ فقد عرفت الحضارة الإسلامية تمييزاً دقيقاً بين امتحان الطبيب علمياً، وبين الرقابة على مزاولته في السوق. فكان رئيس الأطباء ـ ومن أشهر من تولى هذا الشأن سنان بن ثابت في بغداد العباسية، حين أمر الوزير علي بن عيسى بامتحان الأطباء فلا يزاول الطب إلا من أجازه ـ هو المرجع العلمي الذي يختبر الكفاءة المهنية، بينما كان المحتسب، كما فصَّل ابن الأخوة في "معالم القربة في أحكام الحسبة" رقيباً على الممارسة اليومية يتعقب المدَّعين ويضبط أدوات الصنعة.

يتمثل الاقتراح في إعادة هيكلة الهيئة السعودية للتخصصات الصحية بتجزئتها إلى كيانين مستقلين متكاملين:

أولاً: الكلية الملكية السعودية للأطباء، وتكون الجهة الأكاديمية المهنية المعنية بالتدريب الطبي ما بعد الجامعي، فتتولى وضع مناهج البرامج التدريبية وتطويرها، واعتماد برامج الزمالة والإقامة في المستشفيات والمراكز التدريبية، وعقد الامتحانات التخصصية، ومنح شهادة الزمالة السعودية في شتى التخصصات الطبية، ورعاية التعليم الطبي المستمر والبحث في علوم التعليم الطبي. وبهذا التركيز تتفرغ الكلية لرسالةٍ واحدةٍ واضحة: أن تكون الزمالة السعودية علامةَ جودةٍ علميةً يُعتد بها داخل المملكة وخارجها، على غرار ما صنعته الكليات الملكية البريطانية والكندية بزمالاتها.

ثانياً: الهيئة الملكية السعودية للتخصصات الصحية، وتبقى الجهة التنظيمية السيادية المعنية بالتصنيف والتسجيل المهني لجميع الممارسين الصحيين: الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان والممرضين وسائر التخصصات الصحية المساندة، فتتولى التحقق من المؤهلات، ومعادلة الشهادات الدولية وتصنيفها، وإدارة السجل المهني الوطني، وتحديد الرتب المهنية من المقيم إلى الأخصائي إلى الاستشاري، وما يتصل بذلك من ضبطٍ للممارسة وحمايةٍ للمجتمع. وبهذا تتفرغ الهيئة لوظيفة تنظيمية صِرفة، تؤديها بحياد تام تجاه جميع الشهادات، بما فيها الزمالة السعودية ذاتها التي ستغدو شهادةً تُعرض على المصنِّف كما تُعرض نظيراتها الدولية.

يحقق هذا الفصل جملةً من المكاسب الإستراتيجية. فعلى صعيد الحوكمة، يُنهي ازدواجيةَ كون الجهة خصماً وحكماً، إذ يصبح اعتماد البرامج ومنح الشهادات في جهة، وتصنيف حامليها في جهةٍ أخرى تتعامل مع جميع الشهادات بمعيارٍ واحد. وعلى صعيد الجودة، يتيح لكل كيانٍ أن يستقطب القيادات والكفاءات الملائمة لطبيعة رسالته: قياداتٍ أكاديميةً تعليميةً للكلية، وقياداتٍ تنظيميةً قانونيةً للهيئة. وعلى صعيد المكانة الدولية، فإنَّ مسمى "الكلية الملكية" يحمل في سوق التعليم الطبي العالمي رصيداً رمزياً معتبراً، يفتح الباب أمام تصدير الزمالة السعودية إلى المنطقة، واستقطاب المتدربين من دول الجوار العربي والإسلامي، وعقد شراكات الاعتراف المتبادل مع الكليات الملكية العريقة، بما يجعل المملكة مركزاً إقليمياً للتدريب الطبي ـ وهو هدفٌ يتسق اتساقاً مباشراً مع مستهدفات برنامج تحول القطاع الصحي ورؤية 2030في توطين الكفاءات وتعظيم أثر المملكة في محيطها.

ثم إنَّ في هذا الفصل إنصافاً للوظيفتين معاً؛ فالتصنيف والتسجيل ـ وهو الوظيفة التي تمسُّ مئات الآلاف من الممارسين من جميع المهن الصحية لا الأطباء وحدهم ـ سيحظى بكيانٍ متفرغٍ له، يطوِّر إجراءاته ويختصر دوراته ويرفع كفاءة التحقق والمعادلة، بدل أن يظل قسماً ضمن كيانٍ تستأثر برامجُ التدريب الطبي بجلِّ اهتمامه وضوئه.

ولا يخفى أنَّ كل إعادة هيكلةٍ تحمل كلفتها ومخاطرها، ومن الأمانة المنهجية الإشارة إلى أبرز الاحترازات. فأولها ألا يتحول الفصل إلى ازدواجية بيروقراطية يدفع ثمنها الممارس الصحي رسوماً مضاعفةً وإجراءاتٍ متكررة؛ وعلاجه ربطٌ رقميٌّ كاملٌ بين الكيانين يجعل بيانات الزمالة تنساب إلى سجل التصنيف انسياباً آلياً. وثانيها وضوح المرحلة الانتقالية، بحيث تنتقل البرامج والامتحانات والمتدربون الحاليون إلى الكلية الوليدة دون انقطاعٍ في المسارات أو تشكيكٍ في الشهادات القائمة. وثالثها التوسع المتدرج: فقد يبدأ النموذج بكليةٍ واحدةٍ للأطباء كما يقترح هذا المقال، ثم ينظر لاحقاً ـ بعد نضج التجربة ـ في كلياتٍ شقيقةٍ لطب الأسنان والصيدلة والتمريض، على غرار تعدد الكليات الملكية في التجربتين البريطانية والأسترالية. ورابعها بقاء المظلة السيادية للدولة على الكيانين معاً، ضماناً لوحدة السياسة الصحية الوطنية ومنعاً لأي تعارضٍ في المعايير.

الدعوة إلى تجزئة الهيئة السعودية للتخصصات الصحية ليست انتقاصاً من منجزها، بل هي على العكس شهادةٌ على أنَّ المنجز بلغ من النضج حدّاً صار معه البناءُ الواحد ضيقاً على وظيفتين كبيرتين. فالكلية الملكية السعودية للأطباء سترفع الزمالة السعودية إلى مصاف الزمالات العالمية اسماً ومضموناً، والهيئة الملكية السعودية للتخصصات الصحية ستتفرغ لضبط السجل المهني الوطني بحيادٍ وكفاءة. والمأمول أن تجد هذه الفكرة طريقها إلى دوائر صنع القرار الصحي، دراسةً وتمحيصاً، فإنْ صلحت كانت لبنةً في صرح التحول الصحي الوطني، وإن احتاجت تهذيباً فحسبُها أنها فتحت باب السؤال المؤسسي الذي لا تستغني عنه منظومةٌ تنشد الريادة.