شريفة الزهراني
في إحدى الليالي، ضبطتُ نفسي أتصفح صفحات الآخرين وقلبي يثقل شيئاً فشيئاً. إنجازات، سفريات، أسرة تبدو مترابطة وسعيدة، وعلاقات زوجية تُعرض كقصيدة لا تشوبها شائبة نظرات دافئة، وكلمات تُنشر للعالم، وذكريات مؤطَّرة بعناية وأنا هناك، بكوب شاي بارد وسؤال قديم يطرق من الداخل: لماذا لم يصلني بعد ما وصل إليهم؟
لم يكن السؤال بريئاً، كان سكيناً.
سمعتها من أحد إخوتنا المصريين، عابرةً في حديث عادي: "بُص في ورقتك" ثلاث كلمات توقفت عندها طويلاً، لأنها في بساطتها تحمل ما تعجز عنه أحياناً فلسفات كثيره. وأدركتُ أن ذلك السؤال الذي طرق باب قلبي تلك الليلة لم يكن يحتاج إجابة بل كان يحتاج أن أُحوّل بصري.
المقارنة لا تقتلك دفعة واحدة، هي تفعل شيئاً أكثر دهاءً تسرق بصرك ببطء وتحوله نحو ورقة غيرك. وحين تنشغل بما كتبه الآخرون، تنسى أن أمامك ورقتك أنت بأسئلتها المختلفة، وظروفها المختلفة، وتوقيتها الذي لا يشبه أحداً.
وما تراه من إجاباتهم ليس القصة كاملة — بل نسخة منقَّحة منها، مضاءة بعناية، ومُحررة بحذر خلف تلك الصورة الزوجية المثالية قد تكون محادثة صعبة جرت قبل ساعة وخلف ذلك الإنجاز المُحتفى به ،سنوات من الفشل الصامت لم تُصوَّر يوماً ما يظهر هو اللحظة التي اختاروا أن يُظهروها لا اللحظات التي آثروا إخفاءها.
فأنت لا تقارن حياتك بحياتهم فحسب أنت تقارن واقعك كاملاً بأثقاله وتحدياته وشكوكه وليالي أرقه بالنسخة التي أذنوا للعالم برؤيتها، وهذه مقارنة لم تكن عادلة يوماً.
ولعل هذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم﴾ فمدّ العينين نحو ما في يد الآخر لم يكن يوماً طريقاً للسعادة، بل كان أول خطوة في طريق الفتنة.
أعرف امرأة أمضت سنواتها الثلاثين تبني نفسها في صمت لا إنجازات مُعلنة، ولا صور احتفالية. ومن رآها من بعيد ظنّ أن حياتها واقفة. لكن الحياة الحقيقية لا تُقاس بما يُرى بل بما يتشكّل في الخفاء، في تلك المساحة الضيقة بين الجرح والفهم، بين السقوط والنهوض.
كانت هي تتجذّر
وهذا النوع من البناء لا يُصوَّر، لأنه لا يحدث في العلن يحدث في تلك اللحظات التي يواجه فيها الإنسان نفسه وحيداً، حين لا يبقى أمامه سوى خياران: أن ينهار، أو أن يعيد البناء وينهض.
وحين أطلّت في الأربعين، كان فيها شيء لا تجده في الكثير رسوخ لا يأتي من النجاح، بل من معرفة الهشاشة وتجاوزها. وهدوء لا يشبه اللامبالاة، بل يشبه ما يحمله من عاش ثقلاً طويلاً حتى صار جزءاً من قوّته، وما يطلق عليها فلسفيا خيمياء الروح. الجذور لا تُرى لكنها هي التي تحمي وتثبّت الشجرة حين تعصف بها الرياح.
وحين تسحب بصرك أخيراً من ورقة الآخرين وتعود إلى ورقتك، قد تجد نفسك أمام سؤال أصعب وأكثر صدقاً: كيف أتعامل مع واقعي أنا؟
وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين القبول والاستسلام.
الاستسلام هو أن تُلقي القلم وأنت لا تزال قادراً على الكتابة. أما القبول الناضج فهو أن تنظر إلى ورقتك بعيون مفتوحة: ما الذي يمكن تغييره؟ فتسعى إليه ولو كانت الفرصة ضيقة. وما الذي خرج عن يدك تماماً؟ فتُسلّم له دون أن تجعل منه سجناً تقيم فيه. ليست الحكمة في مقاومة كل شيء، بل في معرفة متى يكون الصراع بناءً ومتى يصبح استنزافاً لا ثمرة منه.
المرونة ليست ضعفاً. إنها ذكاء الروح.
جودة الحياة لا تسكن في الصورة المكتملة التي تراها على الشاشة. تسكن في شيء أهدأ وأعمق في ذلك الصلح الداخلي الهادئ مع رحلتك أنت: مع توقيتها، مع ظروفها وتحدياتها ، مع ما نضج فيها وما لم ينضج بعد
حين تتصالح مع رحلتك، لا تصبح سعيداً فحسب. تصبح حراً ، حراً من تلك المحكمة الداخلية التي لا تتوقف عن المقارنة، وحراً لترى ما أمامك بوضوح لا يُشوّهه غبار حياة الآخرين.
تمعن في ورقتك. ليس لأن ورقة الآخرين لا تعنيك، بل لأن ورقتك هي المكان الوحيد الذي يمكنك أن تكتب فيه شيئاً حقيقياً واقعيا، يخصك وحدك.
لم يكن السؤال بريئاً، كان سكيناً.
سمعتها من أحد إخوتنا المصريين، عابرةً في حديث عادي: "بُص في ورقتك" ثلاث كلمات توقفت عندها طويلاً، لأنها في بساطتها تحمل ما تعجز عنه أحياناً فلسفات كثيره. وأدركتُ أن ذلك السؤال الذي طرق باب قلبي تلك الليلة لم يكن يحتاج إجابة بل كان يحتاج أن أُحوّل بصري.
المقارنة لا تقتلك دفعة واحدة، هي تفعل شيئاً أكثر دهاءً تسرق بصرك ببطء وتحوله نحو ورقة غيرك. وحين تنشغل بما كتبه الآخرون، تنسى أن أمامك ورقتك أنت بأسئلتها المختلفة، وظروفها المختلفة، وتوقيتها الذي لا يشبه أحداً.
وما تراه من إجاباتهم ليس القصة كاملة — بل نسخة منقَّحة منها، مضاءة بعناية، ومُحررة بحذر خلف تلك الصورة الزوجية المثالية قد تكون محادثة صعبة جرت قبل ساعة وخلف ذلك الإنجاز المُحتفى به ،سنوات من الفشل الصامت لم تُصوَّر يوماً ما يظهر هو اللحظة التي اختاروا أن يُظهروها لا اللحظات التي آثروا إخفاءها.
فأنت لا تقارن حياتك بحياتهم فحسب أنت تقارن واقعك كاملاً بأثقاله وتحدياته وشكوكه وليالي أرقه بالنسخة التي أذنوا للعالم برؤيتها، وهذه مقارنة لم تكن عادلة يوماً.
ولعل هذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم﴾ فمدّ العينين نحو ما في يد الآخر لم يكن يوماً طريقاً للسعادة، بل كان أول خطوة في طريق الفتنة.
أعرف امرأة أمضت سنواتها الثلاثين تبني نفسها في صمت لا إنجازات مُعلنة، ولا صور احتفالية. ومن رآها من بعيد ظنّ أن حياتها واقفة. لكن الحياة الحقيقية لا تُقاس بما يُرى بل بما يتشكّل في الخفاء، في تلك المساحة الضيقة بين الجرح والفهم، بين السقوط والنهوض.
كانت هي تتجذّر
وهذا النوع من البناء لا يُصوَّر، لأنه لا يحدث في العلن يحدث في تلك اللحظات التي يواجه فيها الإنسان نفسه وحيداً، حين لا يبقى أمامه سوى خياران: أن ينهار، أو أن يعيد البناء وينهض.
وحين أطلّت في الأربعين، كان فيها شيء لا تجده في الكثير رسوخ لا يأتي من النجاح، بل من معرفة الهشاشة وتجاوزها. وهدوء لا يشبه اللامبالاة، بل يشبه ما يحمله من عاش ثقلاً طويلاً حتى صار جزءاً من قوّته، وما يطلق عليها فلسفيا خيمياء الروح. الجذور لا تُرى لكنها هي التي تحمي وتثبّت الشجرة حين تعصف بها الرياح.
وحين تسحب بصرك أخيراً من ورقة الآخرين وتعود إلى ورقتك، قد تجد نفسك أمام سؤال أصعب وأكثر صدقاً: كيف أتعامل مع واقعي أنا؟
وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين القبول والاستسلام.
الاستسلام هو أن تُلقي القلم وأنت لا تزال قادراً على الكتابة. أما القبول الناضج فهو أن تنظر إلى ورقتك بعيون مفتوحة: ما الذي يمكن تغييره؟ فتسعى إليه ولو كانت الفرصة ضيقة. وما الذي خرج عن يدك تماماً؟ فتُسلّم له دون أن تجعل منه سجناً تقيم فيه. ليست الحكمة في مقاومة كل شيء، بل في معرفة متى يكون الصراع بناءً ومتى يصبح استنزافاً لا ثمرة منه.
المرونة ليست ضعفاً. إنها ذكاء الروح.
جودة الحياة لا تسكن في الصورة المكتملة التي تراها على الشاشة. تسكن في شيء أهدأ وأعمق في ذلك الصلح الداخلي الهادئ مع رحلتك أنت: مع توقيتها، مع ظروفها وتحدياتها ، مع ما نضج فيها وما لم ينضج بعد
حين تتصالح مع رحلتك، لا تصبح سعيداً فحسب. تصبح حراً ، حراً من تلك المحكمة الداخلية التي لا تتوقف عن المقارنة، وحراً لترى ما أمامك بوضوح لا يُشوّهه غبار حياة الآخرين.
تمعن في ورقتك. ليس لأن ورقة الآخرين لا تعنيك، بل لأن ورقتك هي المكان الوحيد الذي يمكنك أن تكتب فيه شيئاً حقيقياً واقعيا، يخصك وحدك.