محمد بن سعيد الحارثي

وجدت عتباً وتساؤلات من عدد من المواطنين من ملاك ومستثمري مباني إسكان الحجاج، الذين علقوا آمالاً كبيرة على موسم الحج لتعويض ما أنفقوه في البناء والتجهيز والتأهيل. إلا أن كثيراً منهم خرج هذا العام بخسائر، أو بعوائد أقل بكثير مما كانوا يتطلعون إليه. ويتجه جانب من هذا العتب إلى وزارة السياحة التي تولت مسؤولية التنظيم والإشراف على إسكان الحجاج هذا العام. ولعل الوزارة معذورة إلى حد ما، باعتبار أن هذه المهمة ما زالت حديثة على كوادرها، إلا أن ذلك لا يمنع من طرح بعض الملاحظات التي تستحق المراجعة والتقييم، بحثاً عن حلول تسهم في تطوير الأداء وتلافي السلبيات مستقبلاً. ولإيضاح الصورة لابد من عرض بعض النماذج والتساؤلات التي تهدف إلى المعالجة لا إلى النقد، وإلى التصحيح لا إلى التجريح.

أولًا: غياب قنوات التواصل

يستغرب بعض المواطنين من صعوبة الوصول إلى المسؤول المختص، ولا شك أن سهولة التواصل مع المستفيدين من الخدمات والاستماع إلى آرائهم وملاحظاتهم تعد من أهم عوامل نجاح أي جهة خدمية، كما تسهم في كشف أوجه القصور ومعالجتها قبل تفاقمها. فالملاحظات الصادقة والآراء البناءة تمثل فرصة للتطوير والتحسين متى ما وجدت من يصغي إليها ويتفاعل معها.

ثانيًا: مخالفة تعطل الاستفادة من التصريح

يشير أحد المواطنين إلى أنه حصل على تصريح «نزل مؤقت» بعد استيفاء جميع الاشتراطات المطلوبة، وتحمل في سبيل ذلك تكاليف مالية وجهوداً كبيرة، ثم فوجئ بتحرير مخالفة بحقه قبل انتهاء موسم الحج بأسبوع رغم تأكيده للمفتشين أن المبنى جاهز لاستقبال المستأجرين متى ما توفر مستأجر. والسؤال ما هو مبرر هذه المخالفة. ولا حجاج.

ثالثًا: إلغاء عقد قبل وصول الحجاج

وفي حالة أخرى تمكن أحد المستثمرين من تأجير مبناه واستلم العربون، وأكمل جميع التجهيزات المطلوبة، إلا أنه فوجئ بإلغاء العقد قبل وصول الحجاج بأيام بسبب ملاحظة لا تتعلق بسلامة المبنى أو بأمن الحجاج أو بشكوى منهم. وكان بالإمكان معالجتها خلال فترة وجيزة دون الحاجة إلى إلغاء العقد. ولذلك لابد من الإشارة إلى أن النزل المؤقتة تختلف بطبيعتها عن الفنادق والشقق الفندقية. فهي منشآت موسمية لا تعمل طوال العام، بدليل أن تصاريحها تصدر لفترات محددة، كما أن الحصول على التصريح لا يتم إلا بعد استيفاء اشتراطات السلامة الصادرة من الجهات المختصة، واجتياز متطلبات وزارة السياحة، ثم يأتي بعد ذلك دور التعاقد مع بعثات الحج التي تضع بدورها اشتراطاتها ومتطلباتها الخاصة. ويحق لها الشكوى في حال الإخلال. ولذلك فإن العلاقة التعاقدية هي بين المالك والبعثة، وما يرتبط بها من مستوى الخدمات والقيمة الإيجارية، ينبغي أن تترك في حدودها الطبيعية ما دامت الاشتراطات النظامية الأساسية قد تحققت. أما التوسع في فرض متطلبات إضافية قد تزيد من الأعباء والتكاليف على المستثمر، فهو أمر يستحق المراجعة، خاصة إذا كنا نسعى إلى تشجيع الاستثمار وتحفيز ضخ المزيد من الأموال في هذا القطاع الحيوي.

وفي الختام فإن الهدف من هذه الملاحظات ليس الانتقاد، وإنما الإسهام في تطوير منظومة إسكان الحجاج وتحقيق التوازن بين جودة الخدمة المقدمة لضيوف الرحمن وبين تشجيع الاستثمار في هذا القطاع المهم. فالنزل المؤقتة نشاط موسمي له طبيعته الخاصة، ومن المهم أن تراعي الأنظمة والاشتراطات هذه الخصوصية بما يحفظ حقوق الحجاج والمستثمرين على حد سواء. ويبقى التساؤل مطروحًا: هل من المناسب إخضاع النزل المؤقتة للمعايير نفسها المطبقة على الفنادق والشقق الفندقية الدائمة؟ وفي رأيي أنها قضية تستحق نقاشاً جاداً ومراجعة متأنية توازن بين جودة الخدمة وتشجيع الاستثمار، بما يحقق المصلحة العامة ويعزز نجاح مواسم الحج في الأعوام القادمة. فنجاح موسم الحج مسؤولية مشتركة بين الجهات المنظمة والمستثمرين، وتحقيق هذا النجاح يتطلب شراكة حقيقية وتعاوناً مستمراً بين جميع الأطراف، بما يخدم مكة المكرمة وضيوف الرحمن والوطن بأكمله. والله من وراء القصد.

* مدير شرطة العاصمة المقدسة / سابقاً