نايف عبوش

تظل الكتابة انثيالاً وجدانياً صادقاً، يعبر عن هواجس الذات، ويجسد هموم الكاتب، وتطلعاته، ورؤاه، تجاه الحياة والإنسان، والمجتمع، ومن ثم فإن الكتابة ليست مجرد تجليات تسطر بكلمات على الورق، أو أفكار تُصاغ في تعابير لغوية، وحسب، بل هي فعل وجداني عميق، يتداخل فيه الشعور بالفكر، والوجدان بالعقل، ليمنح النص عندئذ حيويته، وتأثيره، وقدرته على التواصل، والتفاعل مع الآخرين.

والكتابة، وإن كانت موهبة، وملكة فطرية، يمتلكها ابتداء بعض الناس، دون غيرهم، إلا أنها لا تتوهج بفاعليتها الإبداعية، إلا عندما تقترن بالمعرفة، والخبرة، والتجربة الزاخرة. وبذلك فإن الموهبة قد تمنح الكاتب القدرة على التعبير، ولكنها لا تكفي وحدها، لبلورة نص ناضج، يمتلك القدرة على النفاذ إلى وجدان القارئ، وعقله معاً.

ومن هنا، فإن الكتابة الإبداعية تمثل تفاعلاً متناغما، بين الموهبة، والخبرة، إذ إن كل تجربة يعيشها الكاتب، وكل معرفة يكتسبها، تتحول مع الزمن، إلى تراكم فكري وإنساني، يثري تجربته الكتابية، ويمنح نصوصه، مزيداً من الصدق، والواقعية، والقدرة على التأثير.

ولعل السر في حضور الكثير من الأعمال الأدبية، والفكرية الكبرى، يكمن في حقيقة أنها لم تكن نتاج موهبة مجردة، فحسب، وإنما كانت حصيلة تجارب إنسانية زاخرة، استطاع أصحابها أن يحولوها إلى نصوص نابضة بالحياة، تعبر عن تجليات واهتمامات الكاتب في مختلف أحواله، وظروفه، وتتجاوز حدود زمان، ومكان التشكيل، لتكون بالإضافة إلى كل ذلك، هموما معرفية، وأخلاقية، وجمالية، وليست ترفاً فكرياً، أو ممارسة لغوية عابرة، حيث تتطلب من الكاتب، أن يكون شاهداً على تفاصيل عصره، وقادراً على قراءة واقعه، والتعبير عن قضايا مجتمعه بلغة تمتلك صدقية التعبير، والجمال معاً.

وتبقى الكتابة فضاء واسعا لانبثاق تجليات الوجدان، ومرآة تعكس وعي الإنسان بذاته، وبالعالم من حوله، وجسراً يصل بين الموهبة الفطرية، والخبرة المكتسبة، ليولد من تفاعلهما إبداعا متوهجا قادرا على البقاء، والتأثير في الذاكرة الإنسانية.