إبراهيم نيازي

كبساتين الطائف المأنوس بثمارها اليانعة وأشجارها الباسقة، كجمال ورود الهدا والشفا، وجبالها التي تعانق السحاب، ومن بين حكايات الإنسان وأصالته، وهيبة المكان وعبقريته، أطل على المشهد. الثقافي بالمملكة كتاب بعنوان «سيرة من رأى» للكاتب والناقد والباحث الدكتور عثمان بن محمود الصيني.

سيرة في غاية الروعة والجمال، تمثل ذاكرة التاريخ في حضرة الأدب، تماهت فيها العين الثاقبة، والذاكرة المتقدة، مع جهد معرفي مُتميز، وثقافة موسوعية، فتقاسم معها الزمان مسارات متوهجة، لامست اتجاهات متعددة في مدينة تنبض بالعلم وتتنفس التاريخ والأدب والفن «الطائف».

لست ناقداً ولا أديباً حتى أقوم عناصر هذا العمل الأدبي الكبير، ولا أملك معايير التحليل الفني لكني مجرد قارئ عادي لفت نظري العنوان، وأغرتني براعة الأسلوب، وأنا أتنقل بين فصول هذه السيرة بتجاربها الملهمة ودروسها المفيدة، والتحولات الاجتماعية التي عاصرها الكاتب، وكيف ربطها بموضوعية ومهارة وذكاء.

سيرة حفلت بكنوز من المعلومات، ومواقف وأحداث تحمل الأهمية والقيمة التاريخية والطرافة، وحنين الذكريات، ولذلك فهي من دون إطراء أو مجاملة «سُرَّ من قرأ».

يقول الدكتور عثمان في المقدمة «هذه هي سيرة من رأى وسمع، ومن عايش وأدرك، من تقاطع مع الأحداث إلى أن صار في حدقة عينها، لم يكن هو بطلها الأوحد أو هُمامها الذي لا يُبارى، وإن شارك فيها بأدوار تختلف في حجمها وتأثيرها».

وأضاف «.. رافقه في هذه المسيرة أشخاص هم محل العقل والقلب والروح، غادر بعضهم مشهد الحدث في فترة معينة، وغادرت أنا في فترات أخرى، في نهر جار متدفق ينساب أحياناً بهدوء، وتصطفق مياهه أحياناً أخرى، وغادر كثير منهم الحياة إلى جوار رب غفور رحيم».

ويشعر القارئ لـ«سيرة من رأى» أن لغة الكاتب مزجت بألوان الطيف، ومُنح كل موضوع ما يستحقه من الإبداع والتفرد، إلى جانب المقاربة بين المساحات الزمنية، بشخوصها وتفاصيل مشاهدها، الأمر الذي يستحث القارئ للاندماج، ويزيد من شغفه، وتوسيع مداركه.

يرى الدكتور منير لطفي في كتابه «مسافر زاده القراءة» «أن الكتب الجيدة درجات كالضوء ومستويات كالظل، لأنها على وفاق مع الشمس والشجر،ولا يخفت ضوؤها لأن وقودها ذاتي وزيتها يضيء، ولو لم تمسسه نار».

ودائما تُقرِن دور النشر في دول العالم نجاح أي عمل ثقافي، بمدى إقبال وإعجاب الناس العاديين على اقتنائه، وقراءته، لأنه يخاطب وجدانهم، وينقلهم في رحلة عبور إلى ماض يسكن أرواحهم، وهذا ما توفر في «سيرة من رأى.»

يقول الدكتور صالح الشحري في كتابه «صدى السنين الحاكي»: أحسب أن السير تقوم بعرض التاريخ الشعبي مقابل التاريخ الرسمي الذي ينصرف للكتابة عن الأحداث الكبرى وقادتها، ولكن انعكاس هذه الأحداث التاريخية على حياة الناس، قلّما يمكن فهمها إلا من خلال سير الناس، وما كتبوه عن أنفسهم.