مع إسدال الستار على منافسات دور المجموعات، تقلص الحضور العربي في البطولة، لكن الراية لم تسقط. فقد واصل منتخبا مصر والمغرب المشوار، حاملين آمال الجماهير العربية في الأدوار الإقصائية.
دخل المنتخب المغربي البطولة بثقة «أسود الأطلس»، مستندًا إلى الإرث الذي صنعه في مونديال 2022 عندما أصبح أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف النهائي. وواصل في نسخة 2026 تقديم كرة قدم متوازنة تجمع بين الانضباط الدفاعي والسرعة في التحول الهجومي، ليؤكد أن الإنجاز السابق لم يكن استثناءً، بل امتداد لمشروع كروي متكامل.
أما المنتخب المصري، فقد جسّد معنى الإصرار. ففي مواجهة صعبة أمام أستراليا في دور الـ32، تعادل الفريقان (1-1) بعد مباراة امتدت إلى الأشواط الإضافية، قبل أن يحسم «الفراعنة» بطاقة التأهل بركلات الترجيح (4-2)، مسجلين أول انتصار لمصر في تاريخها بالأدوار الإقصائية لكأس العالم. ولم يكن ذلك مجرد فوز رياضي، بل لحظة تاريخية أكدت قدرة المنتخب على تجاوز الضغوط وصناعة إنجازات جديدة في أكبر محفل كروي عالمي.
لكن الحدث الحقيقي لم يكن داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل في المدرجات والمنازل والمقاهي، وعلى شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي. ففي تلك اللحظة، لم يعد السؤال: من أي دولة جاء هذا المنتخب؟ بل أصبح السؤال: كيف ندعم آخر من بقي يحمل الراية العربية؟
من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، ذابت الحدود التي رسمتها السياسة، وتقدمت هوية أعمق وأرسخ هي هوية الانتماء العربي. في الرياض وجدة والدمام تعالت الهتافات لمصر، وفي القاهرة والإسكندرية وأسوان ارتفعت الدعوات للمغرب، بينما كانت شوارع الدار البيضاء والرباط وطنجة، كما عمّان وبغداد والكويت والمنامة ومسقط وأبو ظبي والدوحة وتونس والجزائر وطرابلس ونواكشوط وصنعاء والخرطوم، تعيش المشهد ذاته؛ قلوب تخفق مع كل هجمة، وأنفاس تُحبس مع كل فرصة، وأيدٍ ترتفع بالدعاء مع كل ركلة جزاء، وكأن المباراة تُلعب باسم وطن عربي واحد.
ولم يكن ذلك مجرد تعاطف رياضي عابر، بل كشف عن شعور جمعي ظل حيًا في وجدان الشعوب العربية مهما تعاقبت الأزمات. فعندما كان يعزف النشيد الوطني لأي منتخب عربي، كانت الملايين تردده بإحساس الفخر، وعندما يهتز الشباك بهدف عربي، كانت الفرحة تنتقل في لحظات من مدينة إلى أخرى، ومن دولة إلى أخرى، دون أن تعترف بجوازات السفر أو الحدود الجغرافية.
وهنا استعادت الذاكرة العربية المثل الشهير: «أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب»، ولكن بمعناه الحضاري النبيل؛ ليس تعبيرًا عن العصبية أو الإقصاء، وإنما عن التضامن والتكاتف عندما يتعلق الأمر بصورة الأمة وكرامتها في المحافل الدولية. لقد شعر السعودي أن فوز المغرب يمثله، ورأى المغربي في انتصار مصر امتدادًا لنجاحه، واحتفل الأردني والجزائري والقطري والإماراتي والعراقي والسوري والتونسي واليمني والليبي والعُماني والكويتي والبحريني والفلسطيني واللبناني والموريتاني بالإنجاز نفسه؛ لأن العلم الذي يرفرف في الملعب، وإن حمل اسم دولة واحدة، كان في وجدان الملايين يحمل اسم أمة كاملة.
ولعل أجمل ما كشفته هذه البطولة أن الشعوب العربية لم تكن بحاجة إلى خطابات سياسية أو شعارات وحدوية لتشعر بقربها من بعضها البعض؛ فقد صنعت كرة القدم، في تسعين دقيقة، ما عجزت عنه سنوات طويلة من المؤتمرات والخلافات. لقد أثبتت الجماهير العربية أن روابط اللغة والتاريخ والثقافة والوجدان ما زالت أقوى من كل محاولات التفريق، وأن الاختلافات العابرة لا تستطيع أن تطمس شعورًا متجذرًا بالانتماء المشترك.
المنتخبان المصري والمغربي قدما أداء مشرّفا يليق بتاريخيهما، فإن ما تحقق في هذه النسخة من كأس العالم سيبقى علامة مضيئة في الذاكرة العربية. فلن يتذكر الناس النتائج وحدها، بل سيتذكرون كيف توحدت القلوب قبل الأعلام، وكيف أصبحت فرحة أي منتخب عربي فرحةً يشترك فيها الجميع، من الخليج إلى المحيط.
ولعل القيمة الحقيقية لهذا المونديال لم تكن في عدد الانتصارات أو الأهداف، بل في أنه أعاد إلى الأذهان حقيقة طالما حاولت أصوات الفرقة طمسها، وهي أن ما يجمع الشعوب العربية أكبر بكثير مما يفرقها. ورغم كل محاولات بث الكراهية وتأجيج الانقسام وإضعاف الروابط بين أبناء الأمة، أثبتت الجماهير العربية أن وحدتها الوجدانية ما زالت عصية على الكسر، وأن المحبة الصادقة لا يمكن أن تهزمها حملات التحريض أو الاستقطاب.
لقد انتصرت في هذا المونديال قيم الأخوة والتضامن قبل أن تنتصر كرة القدم، وبقيت رسالة خالدة تقول إن الأمة التي تستطيع أن تفرح لقلب واحد، لا تزال قادرة ــ متى توفرت الإرادة ــ على أن تبني مستقبلًا واحدًا.
دخل المنتخب المغربي البطولة بثقة «أسود الأطلس»، مستندًا إلى الإرث الذي صنعه في مونديال 2022 عندما أصبح أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف النهائي. وواصل في نسخة 2026 تقديم كرة قدم متوازنة تجمع بين الانضباط الدفاعي والسرعة في التحول الهجومي، ليؤكد أن الإنجاز السابق لم يكن استثناءً، بل امتداد لمشروع كروي متكامل.
أما المنتخب المصري، فقد جسّد معنى الإصرار. ففي مواجهة صعبة أمام أستراليا في دور الـ32، تعادل الفريقان (1-1) بعد مباراة امتدت إلى الأشواط الإضافية، قبل أن يحسم «الفراعنة» بطاقة التأهل بركلات الترجيح (4-2)، مسجلين أول انتصار لمصر في تاريخها بالأدوار الإقصائية لكأس العالم. ولم يكن ذلك مجرد فوز رياضي، بل لحظة تاريخية أكدت قدرة المنتخب على تجاوز الضغوط وصناعة إنجازات جديدة في أكبر محفل كروي عالمي.
لكن الحدث الحقيقي لم يكن داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل في المدرجات والمنازل والمقاهي، وعلى شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي. ففي تلك اللحظة، لم يعد السؤال: من أي دولة جاء هذا المنتخب؟ بل أصبح السؤال: كيف ندعم آخر من بقي يحمل الراية العربية؟
من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، ذابت الحدود التي رسمتها السياسة، وتقدمت هوية أعمق وأرسخ هي هوية الانتماء العربي. في الرياض وجدة والدمام تعالت الهتافات لمصر، وفي القاهرة والإسكندرية وأسوان ارتفعت الدعوات للمغرب، بينما كانت شوارع الدار البيضاء والرباط وطنجة، كما عمّان وبغداد والكويت والمنامة ومسقط وأبو ظبي والدوحة وتونس والجزائر وطرابلس ونواكشوط وصنعاء والخرطوم، تعيش المشهد ذاته؛ قلوب تخفق مع كل هجمة، وأنفاس تُحبس مع كل فرصة، وأيدٍ ترتفع بالدعاء مع كل ركلة جزاء، وكأن المباراة تُلعب باسم وطن عربي واحد.
ولم يكن ذلك مجرد تعاطف رياضي عابر، بل كشف عن شعور جمعي ظل حيًا في وجدان الشعوب العربية مهما تعاقبت الأزمات. فعندما كان يعزف النشيد الوطني لأي منتخب عربي، كانت الملايين تردده بإحساس الفخر، وعندما يهتز الشباك بهدف عربي، كانت الفرحة تنتقل في لحظات من مدينة إلى أخرى، ومن دولة إلى أخرى، دون أن تعترف بجوازات السفر أو الحدود الجغرافية.
وهنا استعادت الذاكرة العربية المثل الشهير: «أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب»، ولكن بمعناه الحضاري النبيل؛ ليس تعبيرًا عن العصبية أو الإقصاء، وإنما عن التضامن والتكاتف عندما يتعلق الأمر بصورة الأمة وكرامتها في المحافل الدولية. لقد شعر السعودي أن فوز المغرب يمثله، ورأى المغربي في انتصار مصر امتدادًا لنجاحه، واحتفل الأردني والجزائري والقطري والإماراتي والعراقي والسوري والتونسي واليمني والليبي والعُماني والكويتي والبحريني والفلسطيني واللبناني والموريتاني بالإنجاز نفسه؛ لأن العلم الذي يرفرف في الملعب، وإن حمل اسم دولة واحدة، كان في وجدان الملايين يحمل اسم أمة كاملة.
ولعل أجمل ما كشفته هذه البطولة أن الشعوب العربية لم تكن بحاجة إلى خطابات سياسية أو شعارات وحدوية لتشعر بقربها من بعضها البعض؛ فقد صنعت كرة القدم، في تسعين دقيقة، ما عجزت عنه سنوات طويلة من المؤتمرات والخلافات. لقد أثبتت الجماهير العربية أن روابط اللغة والتاريخ والثقافة والوجدان ما زالت أقوى من كل محاولات التفريق، وأن الاختلافات العابرة لا تستطيع أن تطمس شعورًا متجذرًا بالانتماء المشترك.
المنتخبان المصري والمغربي قدما أداء مشرّفا يليق بتاريخيهما، فإن ما تحقق في هذه النسخة من كأس العالم سيبقى علامة مضيئة في الذاكرة العربية. فلن يتذكر الناس النتائج وحدها، بل سيتذكرون كيف توحدت القلوب قبل الأعلام، وكيف أصبحت فرحة أي منتخب عربي فرحةً يشترك فيها الجميع، من الخليج إلى المحيط.
ولعل القيمة الحقيقية لهذا المونديال لم تكن في عدد الانتصارات أو الأهداف، بل في أنه أعاد إلى الأذهان حقيقة طالما حاولت أصوات الفرقة طمسها، وهي أن ما يجمع الشعوب العربية أكبر بكثير مما يفرقها. ورغم كل محاولات بث الكراهية وتأجيج الانقسام وإضعاف الروابط بين أبناء الأمة، أثبتت الجماهير العربية أن وحدتها الوجدانية ما زالت عصية على الكسر، وأن المحبة الصادقة لا يمكن أن تهزمها حملات التحريض أو الاستقطاب.
لقد انتصرت في هذا المونديال قيم الأخوة والتضامن قبل أن تنتصر كرة القدم، وبقيت رسالة خالدة تقول إن الأمة التي تستطيع أن تفرح لقلب واحد، لا تزال قادرة ــ متى توفرت الإرادة ــ على أن تبني مستقبلًا واحدًا.