قال المولى جل في علاه (لا تقنطوا من رحمة اللَّه) إذ ينبغي التحلي بالصبر لتأمين سلامة الوصول، ويبرز تقدير المواقف كعنصر مؤثر في سياق البحث عن الحل، متسلحا بثقته بربه ويقينه برحمته، فكان الصابرون ممن يحبهم المولى جل في علاه، وتكون مسألة التقدير بهذا الصدد للمؤمن أقرب إلى الانضباط في هذه الناحية، فهل تستطيع أن تعطيني نموذجاً ناجحاً في هذه الحياة المليئة بالشجن والشحن دون تعرضه لنكسات ربما أشد وأنكي من انتكاسته، في حين أن تقديره للموقف الذي تعرَّض له لم يجعله أسيراً لمطرقة التشاؤم الموجعة، فخرج من خلال نافذة الأمل الصغيرة، دعمته قراءته الصحيحة لوضعه وهو في خضم الاشتباك مع المشكلات المختلفة، فأفسح المجال واسعاً لبارقة الأمل، سانده في ذلك ثقته بربه وصبره في استيعاب عسر المعضلة بيسر التعاطي والتفاعل المرن، فيسر الله عليه قال تعالى (فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا)، ولا ألقي باللائمة على من يتعرض لمشكلة معينة ويحزن، فالحزن في هذه الحالات يخيم على الإنسان، الحزن كلص الليل الذي يسرق الهدوء والسكينة والطمأنينة، إذ يجلب في معيته المآسي والأحزان، ويحمل في جلبابه البائس الآلام والأوجاع كلما جثم علي القلوب، وكلما فتح الأبواب عنوة بلا استئذان، وأسأل المولي جلت قدرته بأن يرزقنا الصبر والثبات عند زيارته.
المؤمن برجاحة عقله وبما يمتلك من أدوات يستطيع أن يخرج من المشكلة، متي ما رفض أن يعايشها، بمعنى أنه إن بقي أسيراً لها وفي محيطها فإنها ستمعن في تكبيله، وبالتالي فإن القيود ستحتجزه داخل هذا الإطار وتحجب عنه الحلول، طالما أذعن للتشاؤم. هذا المارد الذي لا يبرح أن يخلف المآسي ويقف خلف الهموم، إذ ينبغي أن يمنح التفاؤل بالخير المكان الذي يستحقه لكي يجده، والعبور إلى آفاق الارتياح بروح وثَّابة تضخ الأمل، ومعنويات عالية تلفظ الشوائب العالقة، والتي ما فتئت تسوق الأمراض النفسية المؤلمة، ولا يقف تأثير تلك الأمراض عند حد معين، بل إنها تتفاقم لتهيئ المجال خصباً لاستيطان الأمراض العضوية، وكم هو أمر محزن حينما يطبق التشاؤم البغيض على العقول والقلوب، ويكون سبباً في ارتكاب المعاصي والمخالفات في لحظة ضعف جائرة.
وأدبياتنا الجميلة المؤثرة راعت هذه الجوانب بصيغة تكاملية فذة درءاً لشرور البؤس والكآبة، ومن ذلك الإيمان بالقدر خيره وشره كأحد أركانه، بل إن الوعد بالأجر للصابرين كان بشارة لهم، إن من أولويات انتشال الأمراض النفسية المقلقة يكمن في تفعيل التكافل الاجتماعي بكل ما يحتويه من دلالات عميقة، بدءاً برفع المعنويات وبلوغا إلى التيسير على الضعفاء ومساندتهم في العيش الكريم. والمجتمع مسؤول بهذا الخصوص بكل مؤسساته، للالتفاف على مسببات نشوء الأزمات وتحجيم تناميها، برفع مستوى الإحساس الفعلي لما يحتاجه هؤلاء بالكلمة الطيبة والعمل المبارك لجلب الفرح والسرور,
كم أنت جميل أيها الفرح! توجه عناصر إدارتك اللائقة اللبقة بكل ثقة واقتدار من بهجة وسعادة وسرور وغبطة وراحة وهدوء، وسكينة، وغيرهم من جنودك المجهولين الذين يزرعون البسمة على الشفاه أينما حلوا، الإشارة منك عطاء ودورك النبيل في معانقة محبيك وفاء، كم كنت للقلوب الجريحة بلسما وشفاء، كم كنت في الماضي والحاضر واحة غناء، لله درك ما أطيبك يمنحنا الإله إياك، فله الشكر والثناء، تقف مع الفقراء ولا أخال تفعيل أحاسيسهم النبيلة إلا بنقش ريشتك الجميلة على صدورهم.
هذه اللوحة التشكيلية الفريدة لا يقوى علي رسمها الفنانون النجباء، فهي تحاكي الكريم بالشهامة والمروءة، وتستثير الهمم بما أعد الله لمن جعله من أسباب السعادة من الأجر والمثوبة، يدعو المريض ربه ويناجي خالقه فتذعن طائعا للأمر، وتشمر عن ساعديك بإرادة المولى لتقهر الألم وتزيل أثر السقم. إن قلت إني أحبك فإنها لا تكفي، إن قلت أجلك وأحترمك وأقدرك فأنت أهل لذلك، الكل بحاجة إليك، فإن قمت بالزيارة فأطل، فمثلك لا يكون علي القلب إلا كما الريشة أو أخف بل إن موعد الزيارة مفتوح ورسائل الترحيب مكتوبة بحبر لا يجف بحروف من ذهب لدورك الفاعل في سعادة البشر، وما تحمله من سرور ليسر بك كل من عانقك وعانقته، من خلال التكافل والتكاتف لمجتمع يستحق الفرح والسرور بعون الله وتوفيقه.