«كن رؤوفًا، فكل شخص تقابله يخوض معركة عظيمة» عبارة قصيرة أطلقها فيلون الإسكندري، ولكنها تختزل بين ثناياها موسوعات علمية، فلها أبعاد نفسية واجتماعية وأخلاقية بل وفلسفية أيضا. إن فيلون يلفت نظرنا إلى حقيقة جوهرية، وهي أن البشر متساوون في مصائبهم وتعاستهم، فلا يغرّنّك ما تراه من سعادة ظاهرية؛ فكل إنسان له همومه وآلامه وصراعاته التي لا يبوح بها. وبإيمانك بهذه المساواة الكونية تظفر بالقناعة المنشودة، لأنك ستدرك وقتها أن الألم ليس حالة استثنائية، بل هو جزء أساسي من نسيج الحياة. لا شيء أحبَّ إلى الحياة من أن تؤلم الناس وتوجعهم، فلا تنتظر منها بهجة أو سعادة حتى لا تُصاب بخَيبة جديدة. إن أفضل طريقة لعدم الحزن هي ألا تتوقع الفرح، وأفضل وسيلة لتفادي السقوط هي ألا تتسلق.

فإذا ما آمنا بهذه الحقائق في المساواة الوجودية للإنسان، فإن عبارة فيلون تنادي بخلقٍ عظيم، وهو التماس العذر للآخرين والحد من الرغبة الجامحة في الانتقام. غير أنه لن يستطيع المرء أن يدرك عمق العبارة ما لم يعِ أن للبشر ضروبًا من العقائد وألوانًا من المذاهب ومختلف الأديان.

عدم اقتناعك بالعدالة الكونية يُغذّي ذاكرتك بأفكار سوداوية لا حصر لها، وأولها فكرة المظلومية. ففكرة المظلومية تجعل صاحبها يرمي بكل فشله على الآخرين الذين يعتقد أنهم ظلموه، وبالتالي لا يمكن أن يتجاوز إخفاقاته، لأن أسباب فشله كامنة في ذاته بينما هو يبحث عنها في ذوات الآخرين!


ويأتي نيتشه ليؤكد أنك إذا أردت مقدارًا من السعادة والفرح، فعليك أن تتقبل قدرًا مساويًا لهما من الألم والحزن، وهذا يؤكد التساوي البشري الكامل الذي ذهبنا إليه.

لا يوجد حزن متواصل ولا فرح مستمر؛ فالحياة لا تعطي الناس إلا بقدر ما تأخذ منهم، ولا تبهجهم إلا بقدر ما تحزنهم، ولا تضحكهم إلا بقدر ما تُبكيهم، ويتساوى بهذا غنيهم وفقيرهم. والاعتقاد الفاسد بأننا جئنا إلى هذه الحياة لنكون سعداء على الدوام، اعتقادُّ موغِلُّ في الوهم وغارقُّ في الخرافة، فما نحن إلا تنفيذ لتلك المساواة العادلة بين السعادة والتعاسة.

مصيبة الملياردير في إفلاس شركاته مساوية لمصيبة الفلاح في فساد محصوله، فعلى قدر الظَّهْر يكون الحمل، وهذا ما أعنيه بالعدل الوجودي.