ليس التاريخ كتابا جامدا ولا سجلا تكتبه الجيوش وحدها بل هو كائن حيٌّ يتبدل بتبدل أدوات القوة وموازين النفوذ. فمنذ أن عرف الإنسان الحضارة وهو يعيد كتابة تاريخه كلما تغيرت وسائل التأثير في العقول قبل السيطرة على الأرض.

فقد كُتب التاريخ يوما بالأنصاب والأزلام وبالبحيرة والسائبة والحام، حين كانت الأسطورة تصوغ الوعي والخرافة تصنع القرار. ثم كُتب بالسيف والرمح والأساطيل قبل أن تكتبه المطابع والثورات والأفكار. وفي العصر الحديث أصبح يُكتب بالكاميرا والدراما والسينما وبالدعاية والإعلام وبالشبكات الرقمية التي تستطيع أن تعيد تشكيل صورة أمة أو إسقاط صورة أخرى خلال ساعات.

وربما كُتب التاريخ بتقديس أصنامٍ أو بسحر أنغامٍ! وقد يُكتب بالإحجام حين يكون الامتناع عن الفعل قرارا إستراتيجيا كما يُكتب بالإقدام عندما تستدعي اللحظة شجاعة المبادرة. وكتبته شعوب قاومت الاحتلال بإرادة فولاذية كما فعل الكوريون والفيتناميون وكتبته أمم أخرى بالصبر الطويل حتى تحولت الأيام نفسها إلى حليفٍ للتاريخ.


لكن المفارقة التي يفرضها القرن الحادي والعشرون هي أن التاريخ لم يعد يُكتب فقط في غرف العمليات العسكرية ولا على موائد المفاوضات ولا في قاعات الأمم المتحدة بل قد يُكتب أيضا فوق المستطيل الأخضر بأقدام اللاعبين.

قد تبدو الفكرة شاعرية للوهلة الأولى لكنها في حقيقتها تعكس أحد أهم تحولات السياسة الدولية أي انتقال الصراع من القوة الصلبة إلى القوة الناعمة ومن احتلال الأرض إلى احتلال الصورة الذهنية، ومن سباقات التسلح إلى سباقات التأثير في الرأي العام العالمي.

ولعل المملكة المغربية قدمت أحد أبرز النماذج العربية والإفريقية في هذا التحول عندما صنعت في كأس العالم التي استضافتها قطر إنجازا تجاوز حدود الرياضة ليصبح حدثا جيوسياسيا بامتياز. فلم يكن وصول المنتخب المغربي إلى المربع الذهبي مجرد نتيجة رياضية بل كان إعلانا رمزيا عن حضور حضاري عربي وإفريقي في ساحة ظلت لعقود حكرا على القوى التقليدية في أوروبا وأمريكا الجنوبية.

لقد خرجت الجماهير العالمية من تلك البطولة وهي لا تتذكر الأهداف وحدها بل تتذكر اسم المغرب وأعلامه وثقافته وروح لاعبيه وصورة الأسرة المغربية والاحتفاء بالوالدين والتمسك بالهوية والانتماء.

وهكذا حققت كرة القدم ما عجزت عنه موازنات إعلامية ضخمة ورسخت في الوعي العالمي صورة إيجابية لأمة بأكملها.

إ الدول الكبرى لم تعد تنظر إلى البطولات الرياضية بوصفها مناسبات ترفيهية بل باعتبارها ساحات تنافس على المكانة الدولية. فالرياضة أصبحت جزءا من الأمن القومي ومن أدوات الدبلوماسية العامة ومن صناعة السمعة الوطنية ومن الاقتصاد السياسي للدول.

ولهذا تستثمر القوى الكبرى مليارات الدولارات في الرياضة لأنها تدرك أن الجماهير قد تنسى خطابا سياسيا لكنها لا تنسى مشهدا تاريخيا يهز مشاعرها.

وفي هذا السياق تبدو التجربة المغربية أكثر من مجرد نجاح كروي إنها تعبير عن تراكم في الاستثمار بالإنسان وعن استقرار مؤسسي ورؤية جعلت من الرياضة نافذة لإبراز صورة الدولة الحديثة. ولذلك لم يكن الاحتفاء العالمي بالمغرب احتفاء بأحد عشر لاعبا بل بإرادة أمة استطاعت أن تحجز لنفسها مكانا في الوعي العالمي.

واليوم ومع البطولة المقامة في الأمريكيتين يعود السؤال ذاته: هل تستطيع كرة القدم أن تواصل إعادة رسم خرائط النفوذ الرمزي بين الأمم؟

الجواب أن العالم لم يعد يُدار بالقوة العسكرية وحدها.

فمن يمتلك القدرة على كسب احترام الشعوب وصناعة الإلهام وبناء الصورة الذهنية الإيجابية يمتلك رصيدا إستراتيجيا لا يقل قيمة عن حاملات الطائرات أو الترسانات العسكرية. ولهذا أصبحت الرياضة كما الثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا جزءا من معادلة النفوذ العالمي.

التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات القديمة وسعت حدودها بالسيوف بينما توسعت الإمبراطوريات الحديثة بالجامعات والشركات والإعلام والتقنية.

أما في عصر العولمة فإن مباراة واحدة قد تفتح لأمة أبوابا من الاحترام والثقة والانتشار لا تحققها سنوات من الحملات السياسية.

ولعل الدرس الأهم هو أن صناعة التاريخ لم تعد حكرا على السياسيين والجنرالات بل أصبحت مسؤولية مجتمع كامل يبدأ من المدرسة ويمر بالمؤسسة وينتهي بالمواطن الذي يحمل اسم وطنه إلى العالم سواء كان عالما في مختبر أو مبدعا على منصة أو لاعبا يركض خلف كرة.

وهكذا تتغير أدوات التاريخ بينما تبقى سننه ثابتة.

فالأمم التي تستثمر في الإنسان وتحسن إدارة مواردها وتدرك أن النفوذ يبدأ من بناء الصورة قبل فرض القوة هي التي تكتب مستقبلها بيدها.

وإذا كان التاريخ قد كُتب يوما بالمعابد والقلاع والمدافع ثم بالمطابع والشاشات فإن القرن الحادي والعشرين يضيف فصلا جديدا عنوانه: قد تكتب الأمم تاريخها بأقدام أبنائها حين تتحول الرياضة إلى رسالة حضارية وإلى قوة ناعمة تعيد رسم خرائط النفوذ في عالم لا يتوقف عن التغير.