جوهر التنوير الذي نعرف، هو نهضة تطلق طاقات الإنسان وتبني حضارات الأمم، وليس خطة شيطانية كما يتخيل بعض المجانين!.

لقد خاض العالم العربي طويلًا في نقاشات عقيمة حول مفهوم التنوير، حتى أصبح المصطلح نفسه ساحة صراع بين من يحتكره، ومن يرفضه، بينما الحقيقة أن الأمم تنهض بالمشروعات الكبرى، وبالقيادات التي تمتلك رؤية، وبالمجتمعات التي تؤمن بالعلم والعمل والانضباط.

يبدأ فهم التنوير الذي نعرف، من سؤال بسيط: هل يراد منه أن يكون الإنسان أكثر قدرة على فهم ذاته والآخرين؟ هل ينتج إنسانًا نافعًا لمجتمعه ووطنه؟ هل يؤسس منظومة تحفظ كرامة الإنسان؟ هل يطلق العنان لأذرعة الاقتصاد؟ هل يعزز العدالة؟ هل يستثمر الطاقات والعقول، والثروات والإمكانات؟


هذه هي أسئلة التنوير الحقيقية، أما المعارك العبثية حول من هو «التنويري» ومن هو «الظلامي»، فهي مما لا علاقة له بالتنوير الذي نعرف، ولا يعدو كونه مزيدًا من الظلام والكراهية المتنامية بين الأشخاص.

وليست مبالغة إن بحثنا عن أعظم مشروع تنوير في تاريخ العرب، فلن نجد أعظم من رسالة النبي محمد ﷺ. فقد نقل مجتمعًا قبليًا متناحرًا إلى أمة تقرأ وتكتب، وجعل أول خطاب في الوحي: {اقرأ}، وأقام من هذه الكلمة حضارة جعلت العلم عبادة، وأطلقت حركة ترجمة ومعرفة غير مسبوقة.

كان مشروع النبيّ الأعظم تنويرًا إلهيًا خالصًا. هو تنويرٌ لبناء الإنسان، واستعادة عقله وروحه من ظلام التخلف والجهل! وليس كما يفهم البعض الدين: أنه جاء للسيطرة على الإنسان، بدل تحريره!

لقد حرر التنوير المحمدي العظيم، العقول، من سطوة الخرافة والوثنية والجهل، وعزز مكارم الأخلاق والقيم الفاضلة.. وهذا هو التنوير الحقيقي الذي نعرف: أن يتغيّر الإنسان إلى الأفضل، بكل الوسائل الحضارية والمعرفية الممكنة.

في التاريخ الحديث، يمثل الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، نموذجًا آخر لهذا التنوير الذي نعرف. فقد وحّد كيانًا سياسيًا متفرقًا، وأقام دولة حديثة على أساس الأمن والقضاء والازدهار، وأدرك منذ وقت مبكر أهمية التعليم والانفتاح على العالم، واستقطب الخبرات، وأنشأ المؤسسات، ووضع الأساس الذي قامت عليه نهضة المملكة اليوم. لم يستسلم لاستنزاف المعارك الأيديولوجية المتنطعة، التي حاولت تعطيله والتخريب عليه، إنما انشغل ومضى في بناء دولته.

امتدادًا لهذا الرجل العظيم، تقدم رؤية السعودية 2030، بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مثالا واضحا اليوم، على التنوير الذي نعرف، بالعمل والإخلاص والإنجاز.

التحول الاقتصادي، وتحديث التشريعات، وتمكين المرأة، وتطوير التعليم، والاستثمار في التقنية والذكاء الاصطناعي، ودعم الثقافة والفنون، واستعادة الاعتدال، تشكل في مجملها سياسات تنويرية غيرت وجه المملكة خلال سنوات قليلة. وهذا هو التنوير الذي نعرف، والذي يرى الناس أثره في حياتهم كل يوم.

لقد أثبتت التجربة السعودية أن المجتمع يحتاج إلى قيادة تعرف كيف توازن بين الأصيل والجديد، الحديث، والثوابت، واحتياجات العصر. وهذه ربما أهم رسالة تقدمها المملكة اليوم للعالم.

ومن المفارقات التي ينبغي ألا تُنسى، أن كثيرًا من رموز الثقافة والأدب، والتنوير في السعودية ممن يُنظر إليهم اليوم بوصفهم من أعلام الفكر والأدب السعودي، قد تعرضوا في مراحل مختلفة إلى حملات قاسية من تيارات التشدد. فقد وُصم بعضهم بالكفر، واتُّهم آخرون بالزندقة، وأُلصقت بهم تهمة "الحداثة" وكأنها جريمة.. ونال المتطرفون من سمعتهم وطعنوا في شرفهم.

كثيرون، ممن أصبحوا اليوم جزءًا من الذاكرة الوطنية، وتُقرأ كتبهم ومقالاتهم وأشعارهم بوصفها إرثًا يُفتخر به في الأدب والإدارة والفكر.. كانوا يشتمون ويُزندقون من على منابر الجوامع وفي الصحف والكتب وفي كل مكان، وشنت عليهم حملات التخوين على مدى عقود من الزمن.

لقد دفعت بلادنا ومجتمعنا ثمنًا باهظًا بسبب خطاب التطرف الذي صادر العقول، واحتكر الدين، وضيق مساحة الاجتهاد، بل منعها منعًا.

فكانت استعادة الاعتدال أحد أهم التحولات الفكرية في السنوات الأخيرة. وذلك من خلال إعادة النقاش إلى ساحته الطبيعية، حيث معاييره المعروفة، ونواياه النبيلة.

التنوير الذي نعرف، ليس ضد الدين، لأنه يعرف أن الإسلام كان في أزهى عصوره حاضنة للعلم والفلسفة والطب والفلك والرياضيات.

التنوير الذي نعرف، يميز بين تجديد فهم التراث، وبين القطيعة مع التراث، بين البراءة من التاريخ وبين تقديسه والتسليم به.

التنوير الذي نعرف، هو التعامل الصحيح مع الحداثة، وما بعدها، ومع كل مستجدات العصور، لأنه يأخذ من كل فكرة ما ينفع الإنسان ويترك ما لا يناسبه ولا ينفعه.

فلا يرى التنوير الذي نعرف، بالحاجة إلى استيراد تجارب من الخارج، ولا إلى تقليد نماذج نشأت في ظروف تاريخية مختلفة عن حياتنا اليوم.

تحويل التنوير إلى هوية مغلقة، أو إلى معسكر سري بأهداف مشبوهة، فلا يحدث إلا من جهل بأهمية الوعي، أو خوفًا من حدوثه حتى لا يكون ذلك الوعي على حساب مصلحة شخصية أو دنيوية يعض عليها مناهضو التنوير بالنواجذ.

مجتمعاتنا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الجدل حول تعريف التنوير، ومن أصحابه الحقيقيون، بقدر ما تحتاج المزيد منه ومن محاربة الظلام والظلاميين!

وهذا هو التنوير الذي نعرف: أن نبني الإنسان، وأن يكون الوطن ميدان عمل وإنجاز، وأن نحترم ديننا وهويتنا مع الانفتاح بثقة على العالم. وقبول الآخر المختلف.

الحضارة يصنعها العقل المنتج للمعرفة، في ظل القيادة الحكيمة الملهمة.. يصنعها المجتمع الذي يتعلم ليعمل، أكثر مما يتكلم.. وينجز أكثر مما يطرح الحلول لمشاكل لا يفهمها، ومعضلات ربما كان هو سببها الرئيسي، علم أم لم يعلم!