قد تحصل الجامعة على الاعتماد، وتتقدم في التصنيفات، وتُحسن تقديم نفسها أمام اللجان والمؤشرات، ثم يبقى السؤال الأصعب معلقًا خارج كل تقرير: ماذا تغيّر في الطالب؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في زمن جعلت فيه رؤية المملكة العربية السعودية 2030 الإنسان والكفاءة والحوكمة في قلب مشروعها الوطني. فالدولة الحديثة لا تريد مؤسسات تعرف كيف تصف نفسها فحسب، بل مؤسسات تُحدث فرقًا حقيقيًا في الإنسان الذي يمرّ من خلالها. وفي التعليم العالي تحديدًا، لا يكفي أن تبدو الجامعة ناجحة في أوراقها، إن لم يكن لهذا النجاح أثر واضح في عقل الطالب، ومهارته، وثقته، وقدرته على المنافسة.

ليست هذه دعوة إلى التقليل من قيمة الاعتماد الأكاديمي. فالاعتماد وُجد في الأصل ليحمي المجتمع من الشهادات الضعيفة والبرامج الركيكة، وليضمن أن وراء كل برنامج خطة واضحة، ومخرجات قابلة للقياس، وتقويمًا منضبطًا، وحوكمة، وتحسينًا مستمرًا. لكنه يصبح موضع تساؤل حين يتحول من أداة لحماية الطالب إلى وسيلة لحماية صورة المؤسسة.


ليس الاعتماد هو الذي صنع الجامعات العريقة ابتداءً. فقد سبقت جامعات كبرى منظومات الاعتماد الحديثة بقرون، وبنت مكانتها عبر العلم، والإنتاج المعرفي، وصرامة التكوين، وسمعة علمائها وخريجيها. لكن حين تحول التعليم العالي من فضاء نخبوّي محدود إلى منظومة واسعة تستوعب ملايين الطلاب، لم تعد السمعة وحدها كافية، فظهر الاعتماد بوصفه أداة لحوكمة الجودة، وضبط المعايير، وبناء الثقة العامة في التعليم.

غير أن هذه الحقيقة التاريخية تذكّرنا بأمر مهم: الاعتماد لم يوجد ليحل محل جودة التعليم، بل ليحميها. ولم يُنشأ ليمنح المؤسسات شهادة تميز، بل ليمنح المجتمع ثقة بأن ما يحدث داخل الجامعة سينعكس خارجها في صورة خريج أكثر معرفة، وأعلى كفاءة، وأفضل استعدادًا للحياة والعمل.

وتشير الأدبيات الحديثة في التعليم العالي إلى أن الاعتماد الأكاديمي، على أهميته، لا يُعد بمفرده ضمانًا كافيًا لجودة المخرجات. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب البيانات، بل في أن البيانات لا تتحول بالضرورة إلى مساءلة واضحة. قد تُراجع المؤسسة مؤشرات التخرج، والاستبقاء، ونتائج التعلم، وجاهزية الخريجين، ثم تبقى معتمدة لأنها تمتلك «عملية تحسين»، لا لأن نتائج طلابها تحسنت فعلًا.

هنا تبدأ المفارقة.

وقد تنجح بعض المؤسسات في اجتياز متطلبات الاعتماد لأنها استوفت إجراءاته ومعاييره، بينما يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى انعكس ذلك على تجربة الطالب وجودة تعلمه؟ وهل أصبح الطالب أفضل؟ هل صار أقرب إلى سوق العمل؟ هل امتلك مهارة حقيقية؟ وهل تحولت المعرفة إلى قدرة؟

الخطر لا يبدأ حين تغيب الجودة، بل حين تتحول إلى ثقافة امتثال؛ حين تنشغل المؤسسة بإكمال النماذج، وترتيب الملفات، وصياغة العبارات، أكثر من انشغالها بما يحدث داخل القاعة الدراسية. عندها تصبح الجودة لغة إدارية مطمئنة، لكنها لا تضمن بالضرورة تعليمًا أفضل.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد كل اعتماد ليس: هل نجحت الجامعة؟ بل: ماذا كسب الطالب؟

هل تحولت مخرجات التعلم إلى مهارات؟ هل أصبح التقويم أداة لتطوير التعلم لا مجرد إجراء؟ هل عالجت الجامعة ضعف المهارات التأسيسية لدى الطالب؟ هل حدّثت مناهجها بما يواكب سوق العمل؟ وهل انتقلت من التلقين والحفظ إلى التفكير والتحليل وحل المشكلات؟

هذه الأسئلة لم تعد ترفًا أكاديميًا. فالمؤشرات الدولية نفسها بدأت تنظر إلى الجامعة من زاوية مختلفة: سمعة الخريج لدى أصحاب العمل، وجاهزيته الوظيفية، ومهاراته المستقبلية، وخبرته العملية، وصلته بسوق العمل. أي أن العالم لم يعد يكتفي بسؤال: هل الجامعة معتمدة؟ بل يسأل: هل خريجها مستعد للمستقبل؟

والأمر ذاته يصدق على التصنيفات الدولية. فقد تتقدم جامعة لأنها نشرت أكثر، واستُشهد بأبحاثها أكثر، ووسعت حضورها الدولي، وحسّنت سمعتها الأكاديمية. وهذا كله إنجاز معتبر، لكنه لا يعني بالضرورة أن الطالب أصبح أكثر جاهزية، أو أن الخريج صار أكثر قدرة على المنافسة. فالتصنيف قد يرفع اسم الجامعة، لكن الطالب هو الذي يثبت قيمتها حين يواجه الحياة.

في زمن التحول الوطني، لم تعد الكفاءة شعارًا عامًا، بل أصبحت شرطًا من شروط المستقبل. والوطن لا يحتاج جامعة تحسن الدفاع عن ملفاتها، بل جامعة تصنع إنسانًا قادرًا على تحويل المعرفة إلى عمل، والشهادة إلى قيمة، والتعليم إلى أثر.

قد تكسب الجامعة الاعتماد، وقد تتقدم في التصنيف، وقد تنجح في بناء صورة مؤسسية مطمئنة. لكن التحدي الحقيقي ليس في الحصول على الاعتماد، بل في تحويله إلى أثر ينعكس على الطالب.

فالاعتماد لا ينبغي أن يُقرأ في وثائق الجامعة وحدها، بل في جودة خريجيها؛ يكتشفه الطالب في رحلته التعليمية، ويلمسه صاحب العمل في كفاءة الخريج، ويراه المجتمع في الأثر.

فالطالب هو الدليل، والخريج هو الشهادة الحقيقية، والأثر هو الاعتماد الذي يبقى بعد أن تنتهي الزيارات، وتُطوى التقارير، وتُحفظ الشهادات.