ماجد الجريوي

قبل سنوات، كان «الحصان الأسود» أحد أكثر المصطلحات تداولًا في البطولات الكبرى. يُطلق على منتخب ينجح في كسر التوقعات، ويتجاوز الأدوار الأولى، وربما يطيح بأحد العمالقة في طريقه إلى إنجاز تاريخي. وكانت المفاجأة هي جوهر الفكرة؛ لأن الفوارق بين المنتخبات كانت واضحة، والمرشحون معروفون سلفًا، فيما يدخل الآخرون البطولة بطموح محدود لا يتجاوز تقديم صورة مشرفة أو الخروج بأقل الخسائر.

لكن كرة القدم اليوم لم تعد كما كانت، ولم تعد البطولات تُحسم بالأسماء أو بتاريخ المنتخبات. لقد تغيرت اللعبة، ليس داخل الملعب فقط، بل في طريقة بناء المنتخبات وصناعة المواهب والاستثمار الرياضي. لذلك لم يعد من المنطقي أن نستمر في استخدام مفهوم «الحصان الأسود» بالمعنى القديم، لأن ما نشاهده اليوم هو سباق كامل من الخيول السوداء، لا حصانًا واحدًا.

المشاريع الرياضية التي انطلقت في العديد من الدول خلال العقد الأخير صنعت واقعًا جديدًا. دول لم تكن تُذكر ضمن المرشحين أصبحت تمتلك أكاديميات متقدمة، ومدربين عالميين، وبرامج اكتشاف مواهب، واحترافًا مبكرًا للاعبين في أقوى الدوريات. ومع هذا التطور، تقلصت الفجوة الفنية والنفسية بين المنتخبات، وأصبح الفارق الحقيقي يُصنع في التفاصيل الصغيرة، لا في تاريخ الكؤوس أو عدد النجوم فوق الشعار. ولهذا لم تعد المنتخبات الصاعدة تدخل المباريات وهي خائفة من الأسماء الكبيرة، بل تدخل بعقلية الند للند، مقتنعة بأنها قادرة على الفوز، لا على تقليل الخسائر. هذا التحول الذهني ربما يكون أكبر مكاسب التطور الرياضي؛ لأن الإيمان بالقدرة على المنافسة يسبق القدرة نفسها.

في المقابل، لا يزال كثير من الجماهير والإعلام يتعاملون مع خسارة منتخب عريق أمام منتخب أقل تاريخًا على أنها «صدمة» أو «مفاجأة مدوية»، بينما الواقع يقول إن هذه النتائج أصبحت جزءًا طبيعيًا من كرة القدم الحديثة. فالتاريخ يمنح الهيبة، لكنه لا يمنح نقاط المباراة، والقمصان الثقيلة لا تسجل الأهداف.

بطولة كأس العالم في قطر، وصولًا إلى النسخة الحالية، تؤكد أن مرحلة الاحتكار الرياضي تقترب من نهايتها. لم يعد الطريق إلى الألقاب مفروشًا بالورد للأسماء التقليدية، وأصبح كل منتخب يملك مشروعًا واضحًا قادرًا على كتابة فصول جديدة من التاريخ، حتى وإن كان سجله الماضي خاليًا من الإنجازات. لذلك، ربما آن الأوان لأن نتخلى عن مصطلح «الحصان الأسود»، أو على الأقل نعيد تعريفه. فما نشاهده اليوم ليس مفاجآت عابرة، بل نتائج طبيعية لعالم رياضي أكثر احترافية، وأكثر عدالة في توزيع فرص النجاح. وفي زمن المشاريع الرياضية، لم يعد السؤال: من سيكون الحصان الأسود؟ بل: من هو المنتخب الأكثر جاهزية لاستثمار عمله الطويل عندما تبدأ صافرة البطولة؟