سليمان بن داوود الرشيد

في كل عام، يُنجز مئات الطلاب السعوديين في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، داخل المملكة وخارجها، رسائل وأطروحات علمية استُثمرت فيها سنوات من الجهد وملايين الريالات من الدعم الحكومي والابتعاث. غير أن كثيرًا من هذه الأبحاث، على جودتها العلمية، ينتهي بها المطاف على رفوف المكتبات الجامعية، دون أن تجد طريقها إلى التطبيق أو تُسهم في حل مشكلة قائمة على أرض الواقع. وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لا نوجّه هذه الطاقات البحثية الهائلة نحو القضايا والتحديات الفعلية التي تواجهها وزاراتنا وشركاتنا الحكومية الكبرى؟

الفكرة: بنك وطني للمشكلات البحثية

جوهر المقترح أن تُستمد موضوعات رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه للطلاب السعوديين من مشكلات وتحديات حقيقية ترفعها الجهات الحكومية والشركات الوطنية الكبرى، مثل أرامكو السعودية، وسابك، والشركة السعودية للكهرباء، وشركة المياه الوطنية، وغيرها من الوزارات والهيئات. فبدلًا من أن يبحث الطالب عن موضوع نظري قد يكون مكررًا أو بعيدًا عن احتياجات الوطن، يجد أمامه قائمة محدّثة من المشكلات الواقعية التي تنتظر حلولًا علمية مدروسة: تحدٍّ تشغيلي في قطاع الطاقة، أو مشكلة في كفاءة استهلاك المياه، أو فجوة في سلاسل الإمداد الصناعية، أو تحدٍّ تنظيمي في قطاع خدمي.

وبهذا يتحول البحث الأكاديمي من ترفٍ معرفي إلى استثمار وطني مباشر، ويتخرج الطالب وقد أسهم فعليًا في معالجة قضية تمس جهة حكومية أو شركة وطنية، مما يعزز فرصه الوظيفية ويمنح بحثه قيمة تطبيقية تتجاوز الدرجة العلمية.

مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية: القائد الطبيعي للمبادرة

ولضمان نجاح هذا التوجه، أقترح أن تتولى مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (كاكست) قيادة هذه المبادرة، بصفتها المرجع الوطني للبحث والتطوير والابتكار، ولما تمتلكه من خبرة راسخة في إدارة البرامج البحثية وربطها بالقطاعات الاقتصادية، وذلك بالتنسيق مع وزارة التعليم وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار. وتُشكَّل تحت مظلتها لجنة دائمة تضم أعضاء من الوزارات والشركات الحكومية الكبرى، تتولى المهام التالية:

حصر المشكلات والتحديات التي ترفعها كل جهة بشكل دوري، وتصنيفها حسب القطاع والتخصص ومستوى التعقيد (ماجستير أو دكتوراه).

بناء منصة وطنية موحدة تتيح للطلاب وأعضاء هيئة التدريس والمشرفين الأكاديميين الاطلاع على هذه المشكلات واختيار ما يناسب تخصصاتهم.

الربط بين الطالب والجهة المستفيدة، بحيث يحصل الباحث على البيانات اللازمة وجهة اتصال مرجعية داخل الجهة.

متابعة مخرجات الأبحاث وقياس أثرها التطبيقي بعد التخرج.

سرية المعلومات: ركيزة أساسية لا خيار ثانوي

ولأن كثيرًا من المشكلات التي سترفعها الجهات قد تتضمن بيانات تشغيلية أو مالية أو تنظيمية حساسة، فإن نجاح المبادرة يقوم على ضمانات صارمة لسرية المعلومات. فتُصنَّف البيانات المقدمة للباحث حسب درجة حساسيتها، ويوقّع الطالب والمشرف الأكاديمي اتفاقية عدم إفصاح ملزمة قبل استلام أي بيانات، وتُتاح المعلومات عالية الحساسية من خلال بيئات عمل آمنة داخل الجهة نفسها دون نقلها خارجها، مع خضوع النسخة النهائية من الرسالة أو الأطروحة لمراجعة الجهة المستفيدة قبل النشر أو الإيداع، للتأكد من خلوّها مما قد يمس أمن المعلومات.

موظفو الجهات المبتعثون: خط البداية الأمثل

ويمكن للجهة الباحثة عن حلول أن تبدأ من أقرب نقطة إليها: موظفيها المبتعثين لدرجتي الماجستير والدكتوراه. فهؤلاء يجمعون بين المعرفة العميقة ببيئة العمل وتحدياتها من الداخل، والالتزام الوظيفي بأنظمة السرية وأخلاقيات المهنة، مما يجعل إسناد المشكلات البحثية إليهم الخيار الأكثر أمانًا وفاعلية. وبذلك يعود الموظف من ابتعاثه حاملًا درجة علمية وحلًا جاهزًا لمشكلة تعيشها جهته، فيتضاعف العائد من الابتعاث: تأهيل للكفاءة الوطنية، وحل للتحدي المؤسسي في آن واحد. ثم تُفتح المشكلات الأقل حساسية أمام عموم الباحثين السعوديين عبر المنصة الوطنية.

ملتقى سنوي مغلق لعرض النتائج

ويكتمل النموذج بتنظيم ملتقى سنوي مغلق يمتد ليوم أو يومين، يُعقد برعاية مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وبمشاركة ممثلين رفيعي المستوى من الوزارات والشركات الحكومية. ويُقسَّم الملتقى إلى مسارات متوازية بحسب القطاعات ــ مسار للطاقة، وآخر للصناعة والتعدين، وثالث للمياه والبيئة، ورابع للصحة، وهكذا ــ يعرض فيه طلاب الماجستير والدكتوراه نتائج أبحاثهم مباشرة أمام الجهات صاحبة المشكلة الأصلية.

ولهذا الملتقى فوائد متعددة: فهو يمنح صانع القرار فرصة الاطلاع على حلول علمية جاهزة أو قابلة للتطوير، ويفتح للطالب بابًا للتوظيف أو التعاقد الاستشاري مع الجهة المستفيدة، ويخلق بيئة تنافسية صحية ترفع جودة الأبحاث عامًا بعد عام. كما أن الطابع المغلق للملتقى يتيح مناقشة تحديات قد تكون ذات حساسية تشغيلية أو تنظيمية بأريحية ومهنية، بما ينسجم مع ضوابط السرية المشار إليها.

عوائد تتجاوز البحث العلمي

إن ربط أبحاث الدراسات العليا بالمشكلات الوطنية الحقيقية يحقق جملة من الأهداف الإستراتيجية المتسقة مع رؤية المملكة 2030: فهو يعظّم العائد من الإنفاق على التعليم العالي والابتعاث، ويسهم في توطين الحلول والمعرفة بدلًا من استيراد الاستشارات الخارجية بتكاليف باهظة، ويبني جسرًا مؤسسيًا دائمًا بين الجامعات والقطاع الحكومي، ويؤسس لاقتصاد معرفي تكون فيه الجامعات شريكًا فعليًا في التنمية لا مجرد مصنع للشهادات.

لقد أثبتت تجارب دول عدة أن أعظم الابتكارات وُلدت حين التقى السؤال الحقيقي بالعقل الباحث. ولدينا اليوم في المملكة آلاف العقول الباحثة، وآلاف الأسئلة الحقيقية المعلقة في وزاراتنا وشركاتنا. كل ما نحتاجه هو الجسر الذي يجمع بينهما، ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية هي الأقدر على مدّ هذا الجسر.

* مهندس متقاعد – أرامكو السعودية

مدير حلول المباني الخضراء للاستشارات الهندسية