أبها: الوطن

في الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، التي اندلعت في مارس الماضي، لم تتصدر مستودعات السلاح ومراكز القيادة قائمة الأهداف الإسرائيلية الأولى، بل جاءت البنوك في المقدمة. فقد دمرت المقاتلات الإسرائيلية أكثر من اثني عشر فرعًا لمؤسسة «القرض الحسن» التي طالما اتُّهمت بالعمل كذراع مالية لحزب الله، إلى جانب محال صرافة ومحطات وقود شكلت مصادر تمويل للحزب. هذه الضربات لم تكن سوى تتويج لحملة أوسع تقودها إسرائيل وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، تستهدف خنق قنوات التمويل الإيرانية للحزب، في وقت يواجه فيه واحدة من أعقد أزماته المالية منذ سنوات.

رسالة الاستهداف

أرادت إسرائيل من خلال هذه الضربات إرسال رسالة مفادها أن أموال حزب الله باتت هدفًا لا يقل أهمية عن ترسانته العسكرية. وبحسب وثائق ومقابلات أجرتها صحيفة نيويورك تايمز مع مسؤولين لبنانيين وأمريكيين وإسرائيليين ومصادر داخل الحزب، فإن هذه الحرب التي اندلعت بعد أقل من ثلاث سنوات من المواجهة السابقة التي قتلت فيها إسرائيل الأمين العام حسن نصر الله وعددًا من كبار قادته، شكلت فرصة إضافية لواشنطن وتل أبيب لضرب البنية المالية للحزب بالتوازي مع الضغط من أجل نزع سلاحه.

جبهة خفية

بينما استحوذت حرب غزة والمواجهة مع إيران على اهتمام العالم، ظل الخنق المالي لحزب الله جبهة أقل بروزًا ضمن إستراتيجية أوسع تسعى لتقليص النفوذ الإقليمي لطهران عبر وكلائها. ورغم أن الحزب وإيران أظهرا في السابق قدرة على التكيف مع الضغوط، فإنه يواجه اليوم صعوبة متزايدة في تمويل شبكته الاجتماعية الواسعة التي شكلت ركيزة دعمه داخل الطائفة الشيعية، فيما اضطر لإعطاء الأولوية للإنفاق العسكري بعد الخسائر الميدانية. وأقر المتحدث باسم الحزب يوسف الزين بأن الحزب أوقف بعض التعويضات لمناصريه في ظل أعباء الحرب والنزوح، مؤكدًا أن إدارة الموارد باتت تخضع لسلم أولويات، مع تمسكه بالقول إن الحزب قادر على تجاوز الأزمة. وكانت الخارجية الأمريكية قد قدّرت التمويل الإيراني السنوي للحزب بنحو 700 مليون دولار قبل الحرب، وهو ما شكل الجزء الأكبر من ميزانيته التي تتجاوز مليار دولار.

ضغط على بيروت

بدأت الحملة المالية فعليًا أواخر عام 2024 بعد وقف إطلاق النار بوساطة أمريكية، وتعمقت عزلة الحزب بعد سقوط نظام بشار الأسد الذي حرمه من أهم خطوط التهريب البرية عبر سوريا. وأمام تعطل هذا المسار، لجأت طهران إلى وسائل بديلة أبرزها مطار بيروت الذي استُخدم لنقل حقائب الدولارات على متن رحلات مدنية وأحيانًا عبر دبلوماسيين إيرانيين، قبل أن تُعلّق الحكومة اللبنانية جميع الرحلات القادمة من إيران وتستبعد موظفين مشتبهًا بارتباطهم بالحزب.

رقابة مصرفية

انتقلت الضغوط بعدها إلى مصرف لبنان المركزي وسط اتهامات باستخدام الاقتصاد النقدي لغسل الأموال، حيث أسهمت إدارة ترمب في دعم تعيين الحاكم الجديد كريم سعيد الذي اتخذ خطوات وُصفت بالحاسمة ضد نفوذ الحزب في القطاع المصرفي، وأطلق تحقيقات في شركات تحويل الأموال الكبرى. ومع تشديد الرقابة، لجأ الحزب إلى شبكة مكاتب صرافة أقل خضوعًا للرقابة، فيما تنتقل الأموال الإيرانية عبر ثلاث دول بواسطة نظام الحوالة غير الرسمي، وقدّرت الخزانة الأمريكية أن إيران حوّلت نحو مليار دولار للحزب خلال عام واحد عبر هذا النظام.

مؤشرات التراجع

مع تصاعد الضغط، ظهرت بوادر تراجع في الخدمات الاجتماعية للحزب، إذ لا تزال رواتب عشرات آلاف المقاتلين تُصرف بينما تقلصت خدمات أخرى. وفي فبراير الماضي، كشفت الخزانة الأمريكية أن مسؤولين كبارًا في «القرض الحسن» أنشأوا شبكة شركات لتجارة الذهب لتأمين السيولة، بعدما دمرت الغارات الإسرائيلية جزءًا كبيرًا من احتياطات الحزب من العملات الأجنبية والذهب.