علي سعد الفصيلي

تشهد منطقة عسير، كعادتها في كل صيف، إقبالًا سياحيًا متزايدًا بفضل ما تتميز به من أجواء ماطرة وطقس عليل وطبيعة جبلية جعلتها واحدة من أبرز الوجهات السياحية في المملكة، وأصبحت معها مواقع الجذب السياحي والغابات والمتنزهات تشهد حركة كبيرة من الزوار من داخل المملكة وخارجها.

ومع هذا الإقبال الكبير، تبرز مشكلة أصبحت بحاجة إلى معالجة أكثر جدية، تتمثل في الازدحام المروري الذي تشهده الطرق المؤدية إلى عدد من المواقع السياحية، وفي مقدمتها السودة ودلغان والفرعا وغيرها من المواقع التي يقصدها السياح للاستمتاع بالطبيعة والأجواء الجميلة، حيث تتحول بعض الطرق في أوقات الذروة إلى مسارات مكتظة بالسيارات، بما يحد من متعة الزائر ويزيد الضغط على الطرق ومواقف السيارات والخدمات المحيطة بهذه المواقع.

ولأننا نتحدث عن منطقة سياحية تستقبل أعدادًا كبيرة من الزوار، فإن الحل لا ينبغي أن يظل محصورًا في توسيع الطرق وزيادة مواقف السيارات، فكلما زادت الطاقة الاستيعابية للطرق زاد معها عدد المركبات، بينما المطلوب هو تقليل الاعتماد على السيارة الخاصة، وتحويل النقل السياحي نفسه إلى جزء من التجربة التي يعيشها الزائر.

وهنا تبرز أهمية إيجاد منظومة نقل ترددي منتظمة خلال موسم الصيف، تنطلق من مواقع تجمع ومواقف رئيسية إلى مواقع الجذب السياحي، بحيث يترك الزائر سيارته في موقف آمن ومنظم، ثم يستقل حافلة ترددية مريحة تصل به إلى وجهته وتعيده إليها، وفق جدول زمني واضح ومتقارب يضمن سهولة الحركة وعدم الانتظار طويلًا.

والأهم من ذلك أن تكون هذه المنظومة على مستويين، نقل ترددي رئيسي يربط مواقف السيارات ومراكز التجمع بالمواقع السياحية، ونقل ترددي أصغر داخل المتنزهات والمواقع ذات المساحات الواسعة، بحيث يستطيع الزائر التنقل بين مرافق المتنزه ومواقع المشاهدة والمطاعم والخدمات دون الحاجة إلى تحريك سيارته في كل مرة.

مثل هذا الحل لن يعالج الازدحام فقط، بل سيحقق فوائد سياحية وبيئية واقتصادية متعددة، فهو يقلل عدد المركبات داخل المواقع الطبيعية، ويحد من الاختناقات المرورية، ويخفف الضغط على مواقف السيارات، ويرفع مستوى السلامة، ويمنح السائح تجربة أكثر راحة وتنظيمًا، فضلًا عن أنه ينسجم مع الصورة التي نريد أن تقدمها عسير باعتبارها وجهة سياحية حديثة تمتلك مقومات الطبيعة، وتملك في الوقت نفسه أدوات إدارتها.

ولا ينبغي أن يكون النقل الترددي حلًا موسميًا مؤقتًا يُطبق عند اشتداد الازدحام فقط، بل من الأفضل أن يصبح جزءًا من التخطيط السياحي الدائم في المنطقة، مع دراسة أعداد الزوار وحركة المركبات في كل موقع، وتحديد نقاط التجمع والمواقف ومسارات الحافلات وأوقات التشغيل وفق بيانات فعلية، مع إمكانية زيادة الرحلات في عطلات نهاية الأسبوع وأوقات الذروة.

عسير تمتلك ما يبحث عنه السائح من طبيعة وأجواء ومواقع خلابة، وما تحتاجه اليوم ليس المزيد من عوامل الجذب بقدر ما تحتاج إلى إدارة ذكية لهذا الإقبال، لأن نجاح الوجهة السياحية لا يقاس بعدد الزوار الذين يصلون إليها فقط، وإنما بمدى سهولة وصولهم وتنقلهم وراحتهم أثناء وجودهم فيها.

ولذلك فإن إنشاء شبكة نقل ترددي للمواقع السياحية الكبرى، تتكامل معها مركبات نقل صغيرة داخل المتنزهات، أصبح مطلبًا سياحيًا وليس مجرد خيار خدمي، فالزائر الذي جاء ليستمتع بجمال عسير لا ينبغي أن يقضي جزءًا من رحلته عالقًا في ازدحام الطريق أو يبحث عن موقف لسيارته.

عسير اليوم أمام فرصة كبيرة لتحويل الازدحام السياحي من مشكلة متكررة إلى نموذج ناجح في إدارة الحركة السياحية، وذلك بتقديم نقل ترددي ذكي ومنظم يجعل السيارة في موقفها، والسائح في راحته، والطبيعة أكثر هدوءًا، والوجهة السياحية أكثر جاذبية.