منى سكرية

سيرة مَنْ نقرأ في "المساكنة الملعونة"؟ سيرة خلايا خبيثة تسلّلت إلى قِحْفِ دماغ الطبيبة الروائيّة السوريّة سوسن جميل حسن، أم سيرة الكاتبة عيْنها في مواجهة هذا المرض الخبيث؟ أسئلة تتوارد وتتوالى عند قرائتنا النصّ طيّ مندرجات الصفحات. مشاعر شتّى تستوقف أسئلتنا وأفكارنا تأثّراً بما استولده المرضُ الطارئ في نظرتها/ تنا إلى الحياة، إلى معنى الحياة؟ الكتابة؟ الحبّ؟ الصداقة؟ الأمل والتفاؤل. أمّا "سيّد" اللّائحة فهو الموت؟ (المساكنة الملعونة/ يوميّات الشوق إلى الحياة - 265 صفحة - منشورات الربيع/ مصر).

ومن دون زيغ الكلام في تصنيف مادّة الكتاب، فإنّ النصّ يتراوح بين السِيَري، والفلسفي، والعلمي، والعملي، والأهمّ ما يحمله من تجربة/ رسالة نبيلة الأخلاق لمَن سيُعانون من أمراض السرطان وفي كيفيّة التعامل النفسي معه، وكلّ أدوات المواجهة لتمرير يوميّات انقضاضه المتوحّش على جسد المريض وتوازنه النفسي.

تقول الطبيبة والروائيّة والرسّامة والأمّ والأخت والابنة لوالدَيْن راحلَيْن أكرماها بتربيةٍ عالية القيَم الإنسانيّة (والدها الشاعر الراحل جميل حسن): "كانت تلك اللّحظة في 27 آذار/ مارس 2025 يوم رأيت الموتَ للمرّة الأولى في حياتي. لم أمت ليلتها لكنّ شيئاً في داخلي تغيّر. إنّه الحلم بل الوعد، وكيف تكون الحياة من دون وعد؟ أم أنّ الموت هو الوعد الحقيقي؟! عرفتُ هذا مباشرةً بعد أن أظهر التصوير الطبقي المحوري لرأسي أنّ هناك وَرماً في المخيخ".

إذاً، إنّها مرحلة جديدة في حياتها بَدأتْ في بهوِ الإسعاف في مشفى شاريتيه، "وكنتُ أنزلق في متاهةٍ مظلمة". وخلال ساعة واحدة صرتُ أُشبه جريدة عتيقة "مجعوكة"! عندها كرّت سبحة أسئلتها: كيف يتغيّر الإنسان بين لحظةٍ وأخرى؟ لا أعرف؟

استدرجَ المرضُ الخبيث المفاجئ سوسن الإنسانة إلى حقله، فخلق لها فرصة الوقوف أمام مرآة سنوات عمرها وتجارب الحياة، وأن تتأنّى في تهْجئة حروف الموت، لكنّها "استبطنت نيّة أن أسجلّ يوميّاتي لحظة بلحظة". طغى الحسُّ الروائي فيها لأنّها لا تريد أن "تَمنح دماغَها فترة استرخاء خوفاً من تراجُع أدائه"، وهذا ما لمسناه فقرأنا لها المقالات المُواكِبة للأحداث المتناسلة كالفطر. كتبتْ برنّة المُتعالي على لغةِ الانقسامات والتحريض. وفي ميدان الثقافة والمعرفة تمايزت بهذا الأسلوب. لكنّها لم تقوَ على إكمال كتابة رواية وَضعتْ لها هيكلَها وخطوطَها بسبب المرض المفاجئ. وعلى طريقة شهرزاد، اختلَقت سوسن بأصابعها على مفاتيح اللّابتوب عناصر مواجهة شهريار المُستبِدّ بعد اللّحظة التي بها أرَّخت حياتَها قَبل السرطان وبعده، فاحتمت بلغتها الأمّ وسَألتْ نفسَها لماذا أكتب؟ فكانت "المُساكنة الملعونة" حِبراً ودموعاً على صفحات إصدارٍ جديدٍ لها زاخرٍ بنزيف روحها وآلامها، وبتفوُّق إرادة تدرَّبت على المواجهة والتحمّل.

كتابة تألّقت فيها بذورُ الروائيّة بأسلوب مُتفجّر عاطفةً وحبّاً وإبداعاً. فقبل دخولها في "الوسن المباغت" بعد حقْنها بالتخدير لإجراء العمليّة الجراحيّة، احتفظت ذاكرتُها البصريّة بنظرات ولدَيْها ميسون ومحمّد، اللّذَيْن يَرِد اسماهُما في صفحاتٍ ومحطّاتٍ بأبهى علاقة البرّ بالوالدة/ الأمّ. إنّها واحدة من رسائل سوسن في هذه المحنة!

وإذا كانت بَعد الجراحة لم تُصدّق أنّها عادت إلى الحياة من جديد فإنّها تتساءل: "يا لهذه الحياة الجبّارة إنّها لا تستسلم. ففي طرفة عيْن نسيتُ كلَّ هواجسي. واستمرأتُ إحساس الجوع ونسيتُ ما أنا فيه. غابَ شبحُ الموت عنّي بمجرّد انتظاري عربة الطعام". وللكاتبة مع ذائقة الطعام دروسٌ في فنونه، وإتقانها للطبخ والحلويات، فتروح تتحفنا بثقافة الطعام لدى الشعوب، ومطابخ بلاد الشام وتركيا، إلى جديد قرار الاتّحاد الأوروبي بالسماح بنسبةٍ معيّنةٍ من مسحوق الحشرات كمادّة بروتين في علب المأكولات، مُسهِبةً في توصيفها عمّا شاهدته في متحف المأكولات في برلين حيث تعيش بعيداً عن اللّاذقيّة و"سورياها" الحبيبة، وحيث يَضمّ المتحف ما لا يُحتمل على قراءة مواصفاته فكيف بتناوله! ومثلها في تناوُل ما يدبّ فوق الارض في الصين لأسبابِ تناوُبِ المجاعات تاريخيّاً على ذاك الشعب. لكنّ الطعام في ثقافتها وتكوينها الذوقي يحمل أبعاداً اجتماعيّة تُحيي دلائل العلاقات الأُسريّة، فالأوسع، أي إلى صداقات وولائم مفعمة بالمحبّة وحُسن الضيافة ما يودي بها إلى السعادة! لكنّها تُسارع للسؤال في محنتها عن معنى السعادة، وما إذا كانت تستطيع تعريفها، فتقول: "إنّها مفهوم إشكالي ومعقّد ويكاد يكون بلا تعريف هكذا يتراءى لي"، "إنّه سؤال مضمر في زاويةٍ عميقة من النَّفس يَظهر إلى الضوء بشكلٍ موارب ومُضلِّل خصوصاً عند التعثُّر في الحياة أو استحالة تحقيق كثير من الرغبات". وبهذا، لم تَصل إلى فهْمِ السعادة لكنّها تواست بأنّ الفلاسفة أنفسهم لم يتوصّلوا إلى تعريفٍ محدَّدٍ لها، واختلفتْ نظريّاتهم حولها، فتَستحضر أقوالَهم منذ أرسطو عندما قال "الخير البشري يكمن في نشاط الروح بما يتّفق مع الفضيلة، وأمّا الفضيلة فهي مفهوم نسبي تبعاً للزمان والمكان"، إلى كونفوشيوس الذي يقول "كلّ الناس يعتقدون أنّ السعادة موجودة في قمّة الجبل لكنّها تكمن في طريقة تسلُّقِه"، وغيرها من نظريّاتٍ أوردَتها من مؤسِّس التاويّة لاو تسو، وكانط وشوبنهاور ونيتشه فـ "يرى أنّ الحياة لا تميل إلى السعادة لأنّ الحياة هي طاقة تَدفع كلَّ كائن حيّ لتوسيع قوّته".

ومن السعادة المرتبكة تفسيراً تَستولِد سؤالَها عن الأمل والتفاؤل لدى المرضى أمثال حالتها؟!. تقول: "عندما غادرتُ المستشفى لم أكُن أفكّر بشيء أكثر من أن أبقى واقفة على قدمَيْ. كان لدي أمل في الغد ولكن على ماذا يقوم هذا الأمل؟ في الواقع لم أكُن أدري، لكنّني أؤمن أنّي ما دمتُ بصحّةٍ بدنيّة وعقليّة فأستطيع إنجاز شيء ما في الحياة، ومحبّتي لابنتي ميسون وابني محمّد وشغفي بالحلم في مستقبل لهما جَعَلَ الأملَ ينمو في داخلي فيحميني من السقوط في اليأس. أقول في نفسي هناك أمل وهناك تفاؤل: فأيّهما أجدى بالنسبة إلى حالتي؟ التفاؤل كما يوصَف هو حالة ذهنيّة إيجابيّة وينتمي إلى ميدان اشتغال علم النفس الإيجابي كدرعٍ أمام صعوبات الحياة فيُعزِّز في النَّفس الرضا عن الحياة والرؤية الإيجابيّة للمستقبل. المستقبل؟! وهل يُمهِّد الوحشُ القابع في أحشائي وفي رأسي ويتوقّف عن التحرُّش الشرس بي فألتقط لحظةَ الأمل وأتشبَّث بها فأتفاءل بمستقبلي القريب؟".

رسالة أخرى تبثّها للأهل عن تأثير الأولاد والأحبّة "هذا التأثير الإيجابي للمريض"؛ وعن المكان تسأل: "ما الأمكنة من دوننا؟" وعن الصداقة، وتأثير الصداقة في روح المريض، في حياته، فتستذكر صداقات المدرسة، الطفولة، وتسأل أين تكمن الصداقة؟ وتجيب "إنّها مفهوم غامض، فهي شعور أقلّ حدّة من الحبّ وأعمق من المودّة. ربّما الصديق هو الأنا الآخر، هو أنا آخر". ووسط الضعف والهشاشة تغرق في دوّامة أسئلة الحياة والموت و"أكثر ما أحتاج إليه هو العزلة"، العزلة التي "دفعتني إلى سؤال الجمال". وكيف لمريضةٍ تَشعر أنّ الموت اقترب منها أن تتحدّث عن فلسفة الجمال؟

و تقول لقد شغلتني الفكرة وم
َلأت فراغَ وقتي الممتدّ وأنا رهينة غرفة في جناح الأورام في المستشفى أمضي وقتي بعد الانتهاء من تسريب الجرعة في أوردتي على مدى أكثر من ستِّ ساعات إمّا مُستلقية على السرير أو أتجوّل في البهو وأحياناً خارج الجناح حيث الشوارع المتقاطعة والحدائق المنوّعة والأزهار والعصافير وضجيج حياة عامرة بكلّ أوجه النشاط المتعلّق بالمشافي، إنّه جمال المكان عندما داهمتني فكرةُ الجمال، من دون أن تنسى أن تزوِّد مرضى السرطان الذين يعانون من تجربتها بمعلوماتٍ فتقول إنّها لم تَستعمل الأقراصَ التي "أعطوني إيّاها من أجل الغثيان والقيء بل عملتُ على إسكات هذا الشعور بتمرينٍ نفسي على ضبْطِه من جهة، وبالأكل وتنويع أكلي من جهةٍ أخرى كي أستعيد بعضاً من وزني وكي أحافظ على نسبةٍ مقبولة من خضاب الدمّ فأحمي نفسي من فقر الدمّ ولقد نجحتُ في هذا التحدّي". تحدٍّ ورثته عندما كانت تحوز المرتبة الأولى في كلّ صفٍّ دراسي ليس في الثانوية التي ترتادها فحسب، بل الأولى على صفوف ثانويّات المحافظة كلّها، وتُنافِس في رياضة كرة الطائرة، وموهبة التفصيل والخياطة وفق أحدث الموديلات في عالَم الأزياء فـ "كنتُ أهرع إلى المكتبة" أوائل كلّ شهر لأشتري العددَ الجديد من مجلّة الأزياء "بوردا"، المجلّة التي جابتِ الأفاق ولاقت رواجاً.

موهبة التفصيل والأزياء ج
َعلتْها أنيقة المظهر وحريصة عليه، وتابعته بذاك الكرم الذي أغدقه عليها ذاك الشاب الذي صار زوجها بعدما داهمها الحبّ وكانت في سنتِها الجامعيّة الأولى؛ وتسأل ما الحبّ؟ وتجيب: "من قلب معاناتي وآلامي وقلقي وانتظار موتي أحبّ الناس كثيراً، وأحبّ شجيرات الزيتون في حديقتي باللّاذقيّة، وأحبّ بيروت قريبة جدّاً من قلبي مثلما هي قريبة من سوريا بلادي الروحيّة". "بيروت في مشواري الأخير لها في نوفمبر 2025 كان له وقعٌ حميمي عائلي، يعني استنزَف كلَّ دموع ابنتي ميسون بعد أن وافقَ الطبيب على سفري. في بيروت التقيتُ إخوتي. هذا اللّقاء دَفع بي إلى سؤال الحنين، ما هو الحنين؟ هناك نظريّات ودراسات حديثة خلصت إلى أنّ الحنين عندما لا يكون طاغياً جدّاً هو رافد إيجابي للنفس يَمنح الحياة معنىً في مُواجَهة الموت المحتوم، يعني أنّه يَمتلك وظيفةً وجوديّة".

في داخلي، تَنصح، "كنت مقتنعة بأنّ الغضب لن يساعدني في تجاوُز محنتي، أمّا الحزن فأنا حزينة أكبحه كلّما تمادى على روحي أكثر". ونحن ننصح بقراءة هذا النصّ المُمتع، والمزيَّن بصورة غلاف لها تعود إلى أيّام الجامعة فتبدو غجريّة في بريّة الحياة بنظراتٍ ملؤها أساطير يونانيّة.

*صحافيّة لبنانيّة

* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.