مها عبدالله

لم يعد الجهل بالتفاصيل عائقًا أمام التحليل، بل يبدو أحيانًا أنه أحد أهم شروطه. يكفي أن يظهر مقطع مدته عشرون ثانية، أو تغريدة ناقصة، أو خبر يبدأ بـ«متداول»، حتى تنهض جيوش المحللين وقد اكتملت لديهم الصورة والدوافع والخلفيات، وربما الحالة النفسية لأشخاص لم يقابلوهم في حياتهم.

خذ أي موقف سعودي يومي وستشاهد التجربة مباشرة. موظف استقال؟ «أكيد مديره طفشه». شركة أغلقت فرعًا؟ «واضح بتفلس». مطعم كان «زحمة» وأصبح فاضيًا؟ «الجودة نزلت». مشهور اختفى أسبوعًا؟ تبدأ التحقيقات العائلية والمالية والنفسية، وإذا حذف صورة من حسابه فمبروك؛ أصبحت لدينا قضية رأي عام.

حتى الزحام لا ينجو. طريق واقف؟ لا نحتاج إلى معرفة السبب؛ «أكيد حادث». تأخرت رحلة؟ الشركة فاشلة. ارتفع سعر منتج؟ التاجر جشع. انخفض سعره؟ أكيد فيه شيء. شخص باع بيته؟ متعثر. اشترى بيتًا؟ «من وين له؟». وفي الحالتين لدينا لجنة تحليل اقتصادي تعمل مجانًا من مجلس البيت.

المشهد دائمًا يبدأ بانفعال: غضب، تعاطف، شماتة أو حماس. وبعدها يدخل العقل إلى الخدمة، ليس ليفهم ما حدث، بل ليبحث عن أدلة تثبت أن الانفعال الأول كان عبقريًا. وهنا يولد «المنظور الاندفاعي»: أنا لم أفهم ثم أقرر، أنا قررت ثم سأفهم بالطريقة التي تناسب قراري.

لهذا أصبح لدينا تحليل اقتصادي من شخص ينتظر الراتب من يوم 25، وتحليل نفسي لأن أحدهم «حس من نظراته»، وتحليل إداري لأن المدير لم يرد على الواتساب، وتحقيق جنائي كامل لأن سيارة ظهرت مرتين خلف مشهور في السناب.

ثم تظهر التفاصيل الحقيقية، وهنا يفترض أن نعيد التفكير. لكن لماذا نفسد تحليلًا جميلًا بالحقيقة؟ الأسهل أن نقول: «أكيد فيه شيء ما قالوه»، وهي الجملة المحلية الخارقة التي تجعل غياب الدليل نفسه دليلًا.

المشكلة ليست في اختلاف الآراء، بل في سرعة تصنيع اليقين. أصبح بعضنا يحتاج إلى عشر ثوانٍ ليكوّن موقفًا، وساعتين ليشرحه في القروب، وثلاثة أيام ليدافع عنه، لكنه لا يجد دقيقة واحدة ليسأل نفسه: ماذا لو أنني ببساطة استعجلت؟

أخيرًا.. في زمن المنظور الاندفاعي، الحقيقة لم تعد أساس الرأي؛ أصبحت ضيفًا متأخرًا، وإذا وصلت ولم تعجبنا قلنا لها: «والله ما اقتنعت».