نايف راشد الرحيلي

لم تبدأ كارثة مدينة نيو أورلينز عندما وصل إعصار كاترينا إلى المدينة في التاسع والعشرين من أغسطس عام 2005 فقد كان الإعصار هو اللحظة التي ظهرت فيها المشكلة إلى العلن أما جذور الكارثة فكانت قد تشكلت قبل ذلك بسنوات. خلال ساعات قليلة تحولت مدينة أمريكية كبيرة إلى مدينة غارقة بالمياه تضررت المنازل والمنشآت وتعطلت الخدمات الأساسية واضطر آلاف السكان إلى مغادرة منازلهم وشاهد العالم صورا لمدينة واسعة وهي تحت المياه.

كان من السهل أن ينسب كل ما حدث إلى قوة الإعصار لكن الكوارث الكبرى لا تصنعها قوة الظاهرة الطبيعية وحدها فالإعصار قد يكون شديدا لكن حجم الخسائر يرتبط أيضا بما يوجد في طريقه من منشآت وسكان وبنية تحتية وقدرة على الاستعداد والاستجابة.

وهنا تظهر واحدة من أهم حقائق إدارة المخاطر وهي أن الكارثة قد تكون أسرع من أن نمنعها لكنها ليست بالضرورة أسرع من أن نستعد لها. كانت نيو أورلينز تعرف منذ سنوات أنها مدينة معرضة للفيضانات وكانت طبيعة موقعها الجغرافي تجعل المياه خطرا دائما، وكانت هناك منشآت وحواجز مائية وخطط يفترض أن توفر الحماية للسكان. لكن إعصار كاترينا كشف بصورة قاسية أن وجود وسائل الحماية لا يعني أن الحماية كافية، وأن وجود خطة لا يعني بالضرورة أن الخطة قادرة على العمل عندما تصبح الحاجة إليها حقيقة. فالمخاطر لا تظهر كلها في صورة حادث كبير.

قد تبدأ بمضخة تحتاج إلى صيانة ثم تتأخر صيانتها وقد تبدأ بتوصية فنية تحتاج إلى متابعة ثم توضع في قائمة الأعمال المؤجلة، وقد تبدأ بخطة طوارئ جيدة عند اعتمادها ثم تمر سنوات من دون اختبارها، وقد تبدأ بمعدات تعمل بصورة مقبولة ثم يصبح عمرها أكبر من قدرتها على مواجهة الظروف الاستثنائية. كل واحدة من هذه الأمور تبدو صغيرة في يومها ولا تحمل مشهدا دراميا يستدعي الانتباه. لكن الخطر لا يحتاج إلى مشهد درامي حتى يتراكم.

قد تمر سنة كاملة من دون حادث ثم تمر سنة أخرى وتستمر الأمور بصورة طبيعية فيبدأ الشعور بالخطر بالتراجع، وتصبح بعض أعمال الصيانة أقل أولوية وتؤجل بعض التحديثات وتبقى بعض الإجراءات كما هي رغم أن الظروف من حولها تغيرت. وهكذا يتحول التأجيل الصغير إلى ضعف متراكم. وهذه من أخطر مشكلات إدارة المخاطر لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى الاهتمام بالمشكلة التي يراها أمامه أكثر من اهتمامه بالمشكلة التي قد تقع مستقبلا. فالمبنى الذي يحتاج إلى صيانة لا يبدو خطرا في صباح هادئ، والمنشأة التي تحتاج إلى تحديث لا تبدو مهددة ما دامت تعمل، والخطة التي لم تختبر لا تبدو عديمة الفائدة ما دامت الأزمات لم تقع. لكن اللحظة التي يحتاج فيها النظام إلى أداء استثنائي هي اللحظة التي تظهر فيها قيمة كل ما تم عمله قبلها. وهذا ما يجعل الصيانة والاستعداد والتدريب من أهم أعمال إدارة المخاطر رغم أنها في الغالب من أكثر الأعمال التي لا يلتفت إليها الناس.

عندما تعمل شبكة الكهرباء بصورة طبيعية لا يرى أحد حجم الجهد الذي يبذل للمحافظة على استمراريتها، وعندما تمر الأمطار الغزيرة من دون سيل جارف لا يلاحظ الناس تنظيف مجاري التصريف وفحص المضخات ومراجعة خطط الطوارئ، وعندما تعمل المنشأة من دون حوادث لا يفكر كثيرون في التدريبات وعمليات التفتيش التي سبقت ذلك. نجاح الوقاية غالبًا لا يكون في مشهد نراه بل في حادث لم يقع وخسارة لم تحدث وتعطل تم تجنبه.

وهنا تكمن المفارقة، الإنفاق على الوقاية قد يبدو تكلفة عندما لا يحدث شيء، لكنه يصبح استثمارا عندما تقع الكارثة. أما تجاهل المخاطر فقد يبدو توفيرا في وقت الهدوء لكنه قد يتحول إلى فاتورة باهظة عندما تتغير الظروف. ولهذا لا يمكن التعامل مع إدارة المخاطر باعتبارها مشروعا ينتهي باعتماد خطة أو افتتاح منشأة أو شراء معدات. الخطة تحتاج إلى مراجعة والمعدات تحتاج إلى صيانة والكوادر تحتاج إلى تدريب والمنشآت تحتاج إلى فحص والبيانات تحتاج إلى تحديث.

فالمدن تتغير والسكان يتزايدون والمنشآت تتوسع والطرق تتغير والظروف المناخية تتبدل، وما كان مناسبا قبل عشر سنوات قد لا يكون مناسبا اليوم. الخطر نفسه قد لا يتغير لكن مستوى تعرضنا له قد يتغير كثيرًا. وهذه الفكرة لا تخص المدن والدول وحدها بل تنطبق على المؤسسات والمنشآت بمختلف أنواعها. المؤسسة التي تعرف نقطة ضعف في نظامها التقني ثم تؤجل إصلاحها تضيف خطرا جديدا، والمؤسسة التي تحتفظ بخطة طوارئ لم تختبر منذ سنوات لا تستطيع الاعتماد عليها بثقة، والمؤسسة التي تعرف أن بعض معدات السلامة تحتاج إلى تحديث ثم تنتظر وقوع حادث قبل التحرك تجعل نفسها أكثر عرضة للخسائر.

المشكلة في مثل هذه الحالات ليست دائما نقص المعرفة. قد نعرف الخطر وقد نعرف الحل وقد نعرف التكلفة المطلوبة لمعالجته، لكن المشكلة تظهر عندما تتحول المعرفة إلى ملف مؤجل والقرار إلى إجراء لم ينفذ والتوصية إلى ورقة محفوظة في درج. وهنا تبدأ المخاطر بالنمو في صمت. قد لا نشعر بها اليوم وقد لا تظهر غدًا لكن تراكمها يجعل المؤسسة أو المدينة أقل قدرة على تحمل الصدمة عندما تأتي. ولذلك فإن أفضل وقت لمعالجة نقطة ضعف ليس بعد أن تتحول إلى حادث، وليس بعد أن تصبح حديث الناس، وليس بعد أن تظهر الخسائر. أفضل وقت هو عندما تكون مجرد ملاحظة صغيرة يمكن إصلاحها بسهولة. قد تكون توصية في تقرير أو نتيجة في تمرين أو ملاحظة من موظف أو حاجة إلى صيانة أو إجراء يحتاج إلى تحديث. التعامل معها في ذلك الوقت قد لا يجذب الانتباه لكنه قد يمنع كارثة كاملة في المستقبل.

وهذا هو جوهر إدارة المخاطر. أن نرى الخطر قبل أن يكبر وأن نعالج الضعف قبل أن يتحول إلى أزمة وأن ندرك أن الاستعداد ليس عملا موسميا يبدأ قبل الكارثة وينتهي بعدها بل ممارسة مستمرة لا تتوقف. إعصار كاترينا وصل إلى نيو أورلينز خلال ساعات لكن كثيرا من نقاط الضعف التي جعلت الكارثة أكثر قسوة كانت قد تشكلت على مدى سنوات. فالإعصار كان مفاجئا في توقيته لكنه لم يكن مفاجئا في طبيعته. وهذا هو الدرس الذي يتجاوز حدود نيو أورلينز.

الكارثة قد تصل في يوم واحد لكن أسباب تضخم خسائرها قد تكون قد بدأت قبل ذلك بسنوات. قد تبدأ عندما نؤجل صيانة أو نتجاهل توصية أو نؤجل تحديث خطة أو نعتاد على نقطة ضعف ونقنع أنفسنا بأنها ستبقى تحت السيطرة. ثم يأتي اليوم الذي لا تعود فيه السيطرة ممكنة. عندها فقط ندرك أن الكارثة لم تبدأ عندما وصل الخطر. لقد بدأت قبل ذلك بوقت طويل. بدأت يوم عرفنا بالخطر ولم نعالجه. وبدأت يوم رأينا نقطة الضعف وقررنا تأجيلها. وبدأت كل مرة قلنا فيها إن الأمور تسير بشكل طبيعي ولذلك يمكن الانتظار.

إدارة المخاطر في جوهرها ليست محاولة لمعرفة موعد الكارثة بل محاولة لمنع نقاط الضعف الصغيرة من أن تتحول إلى خسائر كبيرة. فما نصلحه اليوم قد لا نعرف قيمته غدًا. وما نؤجله اليوم قد يكون هو نفسه ما سندفع ثمنه غدًا.

لذلك فأقوى وسيلة لحماية المدن والمؤسسات والمجتمعات ليست دائمًا في انتظار الكارثة والاستعداد لمواجهتها عندما تصل. بل في العمل الهادئ الذي يسبقها بسنوات.

الوقاية الحقيقية تبدأ في اللحظة التي نقرر فيها ألا نؤجل الخطر لمجرد أنه لم يتحول بعد إلى كارثة.