في زمنٍ تتداخل فيه الثقافة مع الاقتصاد، والسياحة مع السياسة، والمُدن مع شبكات المعرفة والابتكار، بدأت مدنٌ عربيّة عديدة تتحوَّل من مجرّد فضاءات جغرافيّة وإداريّة إلى فاعليّات تمتلك قدراتٍ متزايدة على بناء العلاقات، واستقطاب العالَم، وإنتاج الصور والرموز، والتأثير في الآخرين. وإذا كانت الدبلوماسيّة التقليديّة تتحدّث باسم الدولة عبر السفارات ووزارات الخارجيّة، فإنّ المدينة تستطيع أن تتحدّث بلغةٍ مختلفة؛ بلغة المكان، والثقافة، والذاكرة، والفنّ، والاقتصاد، وتفاعلات الحياة اليوميّة.
ولعلّ أهميّة هذا التحوُّل أنّه يأتي في لحظةٍ تتغيّر فيها طبيعة القوّة نفسها. فالقدرة على الجذْب، وإنتاج المعرفة، وصناعة الصورة، وبناء الشبكات، واستضافة الآخرين، والتأثير في الأجندة الدوليّة، عناصر أساسيّة في تحديد مكانة الفاعلين داخل النظام الدولي. وقد أعادت العوْلَمةُ توزيع الوظائف بين المُدن. فأصبح من المُمكن أن تكون مدينةٌ في دولةٍ ما أكثر حضوراً عالميّاً في مجالٍ معيّن من عاصمةِ الدولة السياسيّة نفسها. وقد تصبح مدينةٌ بوّابة الدولة إلى العالَم، حتّى وإن لم تكُن مركز الحُكم. ويُمكن أن تَمتلك علامةً تجاريّة أكثر وضوحاً، وأن تكون أكثر قدرةً على إنتاج تجربةٍ إنسانيّة مباشرة، وهنا تتحوّل المدينة إلى علامة دوليّة.
نماذج عربيّة: كيف تَصنع المُدن نفوذَها الثقافيّ والدبلوماسيّ؟
- دبي: عندما تُصبح المدينة علامةً تتجاوز حدود الدولة
- الرياض: من العاصمة السياسيّة إلى منصّة المستقبل
- الدوحة: الرياضة بوصفها دبلوماسيّة حضريّة
- الرباط: المدينة التي تَمزج السياسة بالثقافة
- الإسكندريّة.. من المتوسّط إلى العالَم
- أصيلة.. عندما تصنع الثقافة مدينة
- بيروت.. نفوذ ثقافيّ على الرّغم من الأزمات
- عمّان: دبلوماسيّة الاستقرار والحوار
- القاهرة: عندما تكون المدينة أكبر من حدودها
- الشارقة: عندما تختار المدينة أن تكون ثقافيّة
نحو مؤشّر للقوّة الدبلوماسيّة للمدينة العربيّة
تَجمع الحالاتُ السابقة بين نماذج مختلفة، لكنّها تكشف جميعها عن انتقالٍ مُهمّ: الثقافة لم تَعُد مجرّد أداة لتجميل صورة المدينة، وإنّما أصبحت جزءاً من بنيتها الدبلوماسيّة. وهنا تُصبح المدينة مُختبراً للدبلوماسيّة الثقافيّة.
استناداً إلى هذه الرؤية، يُمكن اقتراح مؤشّر عربي للقوّة الدبلوماسيّة للمدن، لا بهدف وضْع المدن في ترتيبٍ تنافسي، وإنّما لفهْمِ مصادر القوّة والضعف. ويتكوَّن المؤشِّر المُقترَح من سبعة أبعاد مُترابطة، أوّلها الهويّة الحضريّة، وثانيها الرصيد الثقافي، وثالثها الحضور الدولي، ورابعها القدرة المؤسّسيّة، وخامسها المقدرة على بناء الشبكات والعلاقات مع المدن والجامعات والمؤسّسات والمنظّمات الدوليّة، وسادسها الجاذبيّة الاقتصاديّة. أمّا البُعد السابع فهو رأس المال البشري. لكنّ هناك جانباً آخر ينبغي ألّا نتجاهله. فثمّة خطر أن تتحوّل فكرة "المدينة العالميّة" إلى مشروعٍ تسويقي فقط، يُركّز على الفعاليّات والصور اللّامعة ويتجاهل السكّان الحقيقيّين. المدينة التي تريد أن تُمارِس قوّةً ناعمة في الخارج يجب أن تكون قادرة على بناء شرعيّة اجتماعيّة في الداخل.
ربّما يكون أحد أهمّ التحوّلات التي يَشهدها العالَمُ العربي اليوم هو أنّ المدينة لم تَعُد مجرّد نتيجة للسياسات الوطنيّة، بل جزءاً من صناعة السياسة نفسها. لهذا فإنّ المستقبل قد لا يكون للدول التي تَمتلك أكبر الجيوش أو الاقتصادات فقط، وإنّما للدول التي تَمتلك مُدناً تستطيع أن تَجعل الآخرين يرغبون في زيارتها، والتعاون معها، والتعلُّم منها، والعيش فيها، والحديث عنها. ليست القضيّة أن تصبح المدينة بديلاً من السفارة، بل أن تُصبح المدينةُ سفارةً من نوعٍ جديد؛ سفارة يعيش فيها الناس، وتتحرّك فيها الثقافة، وتولد فيها الأفكار، ويأتي إليها العالَم. وحين تصبح المدينة قادرةً على أن تَجعلَ العالَم يصغي إلى قصّتها، فإنّها تكون قد بدأت تُمارس الدبلوماسيّة، حتّى وإن لم تسمِّ ما تفعله دبلوماسيّة.
*مدير مركز الدراسات الاستراتيجيّة - مكتبة الإسكندريّة
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.