عبدالرحمن بانافع

عبدالرحمن بانافع

عندما نتحدث عن الأمن الصحي والصناعي، نفكر غالبًا في المستشفيات والأدوية والأجهزة الطبية والكوادر الصحية. لكن هناك عنصر أساسي يسبق كثيرًا من القرارات الطبية: التشخيص.

وخلف التشخيص توجد المختبرات، وخلف المختبرات توجد الكواشف والمواد التشخيصية التي يعتمد عليها الأطباء للوصول إلى نتائج تساعدهم في اتخاذ القرار الصحيح.

لهذا، فإن الكواشف الطبية ليست مجرد منتجات مخبرية صغيرة الحجم، ولا ينبغي النظر إلى صناعتها باعتبارها نشاطًا صناعيًا محدودًا. إنها جزء من منظومة صحية وصناعية أوسع، وامتلاك القدرة على تصنيعها محليًا يمثل قيمة إستراتيجية لأي دولة.

أكثر من 30 عامًا خلف الكواليس

أمضيت أكثر من ثلاثة عقود في مجال الكواشف الطبية والمخبرية، انتقلت خلالها بين الجوانب الفنية والتصنيع وتطوير المنتجات وإدارة المشاريع وبناء وتشغيل المصانع.

وخلال هذه الرحلة اكتشفت أن أصعب جزء في صناعة الكاشف الطبي ليس شراء المعدات أو تجهيز المبنى.

الأصعب هو امتلاك المعرفة.

فالكاشف الذي يصل إلى المختبر مرّ قبل ذلك بسلسلة طويلة من القرارات: اختيار المواد الخام، تطوير التركيبة، التجارب، ضبط الجودة، التحقق من الأداء، دراسة الثبات، التعبئة، التوثيق، والمتطلبات التنظيمية.

وكل مرحلة من هذه المراحل يمكن أن تؤثر في جودة المنتج وموثوقيته.

وهنا تظهر أهمية الخبرة المتراكمة.

هل يكفي أن نمتلك مصنعًا؟ةفي رأيي، لا.

يمكن شراء المبنى والمعدات وخطوط الإنتاج، ولكن لا يمكن شراء الخبرة بنفس السهولة.

توطين صناعة الـIVD لا يعني فقط أن يحمل المنتج عبارة «صنع في السعودية». التوطين الحقيقي يعني أن نمتلك تدريجيًا المعرفة والتقنية والكوادر والقدرة على التطوير.

نحتاج إلى أن ننتقل من مجرد تصنيع المنتج إلى فهمه وتطويره وتحسينه.وهذا هو الفرق بين مصنع ينتج، وصناعة تستطيع أن تستمر وتنافس.

لماذا أصبح الموضوع أكثر أهمية؟ العالم أصبح أكثر إدراكًا لمخاطر الاعتماد الكامل على سلاسل الإمداد الخارجية.

أي اضطراب عالمي يمكن أن يؤثر في المواد الخام أو الشحن أو الأسعار أو توافر المنتجات الطبية.

ولا يعني ذلك أن نتوقف عن الاستيراد أو نعزل أنفسنا عن الأسواق العالمية. على العكس، الشراكات الدولية ونقل التقنية والتعاون مع الشركات العالمية يمكن أن تكون جزءًا أساسيًا من بناء الصناعة المحلية.

لكن الهدف يجب أن يكون واضحًا:

أن نمتلك قدرة محلية حقيقية عندما نحتاج إليها.

الطموح بالنسبة لصناعة الكواشف الطبية يجب ألا يتوقف عند تلبية السوق المحلي. يمكن أن تكون الأسواق العربية والإقليمية امتدادًا طبيعيًا للصناعة المحلية، خصوصًا في المنتجات التي نستطيع تطويرها بجودة وتكلفة تنافسية.

لكن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير. نحتاج إلى الاستثمار في البحث والتطوير، وربط المصانع بالجامعات، وتشجيع نقل التقنية، وتطوير الكفاءات المتخصصة، وبناء منظومة تنظيمية واستثمارية تشجع الشركات على الابتكار.

فالمنافسة العالمية لا تقوم على سعر المنتج فقط، وإنما على الجودة والموثوقية والابتكار والقدرة على الاستمرار.

هناك نوع آخر من رأس المال لا يظهر دائمًا في القوائم المالية للشركات: رأس المال المعرفي.

قد يمتلك مصنع أحدث المعدات، لكنه يواجه مشكلة في تطوير تركيبة أو معالجة خلل في الإنتاج أو تثبيت جودة منتج معين.

هنا تظهر قيمة الإنسان صاحب الخبرة.

من أهم الاستثمارات التي يمكن أن تقوم بها الصناعة الطبية هو الاستثمار في الإنسان، وفي نقل الخبرة إلى الجيل الجديد.

فالخبرة التي تبقى في عقل شخص واحد تنتهي بانتهاء مسيرته المهنية، أما الخبرة التي يتم توثيقها وتعليمها ونقلها، فإنها تتحول إلى أصل صناعي يستمر لسنوات.

السؤال الذي يجب أن نطرحه بعد سنوات طويلة في هذه الصناعة، أعتقد أن السؤال لم يعد:

كيف نستطيع استيراد الكواشف الطبية؟ بل: ما الذي نستطيع تصنيعه وتطويره محليًا؟

ثم السؤال الأكبر: متى نستطيع أن نصنع منتجًا تشخيصيًا محليًا ينافس خارج حدودنا؟

هذه الأسئلة ليست موجهة إلى المصانع وحدها. إنها مسؤولية مشتركة بين المستثمرين، والجامعات، والباحثين، والمصانع، والجهات التنظيمية، والقطاع الصحي.

الصناعة تبدأ بالإنسان قد نبني مصنعًا في أشهر، وقد نشتري المعدات في أسابيع، لكن بناء الخبرة يحتاج إلى سنوات.

صناعة الكواشف الطبية تحتاج إلى جيل جديد من المتخصصين الذين يفهمون العلم والتصنيع والجودة وإدارة المشاريع في الوقت نفسه.

وأعتقد أن لدينا في السعودية والمنطقة طاقات وكفاءات قادرة على بناء هذه الصناعة، إذا حصلت على البيئة المناسبة والدعم والاستثمار في المعرفة.

الكواشف الطبية قد تبدو صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في تأثيرها. وراء كل عبوة كاشف توجد علوم وتقنيات وخبرات وجودة وسلسلة إمداد، وفي النهاية توجد نتيجة قد يعتمد عليها قرار طبي.

بناء صناعة قوية للكواشف والتقنيات التشخيصية ليس مجرد فرصة استثمارية. إنه استثمار في الصحة، وفي الصناعة، وفي المعرفة، وفي قدرتنا على صناعة مستقبلنا بأيدينا.

وأعتقد أن الوقت حان للانتقال من سؤال «ماذا نستورد؟» إلى سؤال أكثر طموحًا:

«ماذا نستطيع أن نصنع، وماذا نستطيع أن نطور، وماذا نستطيع أن نصدر؟».