زهيدة درويش جبور

حديثة العهد نسبيّاً هي الدراسات المستقبليّة؛ إذ تعود نشأتها في الغرب إلى خمسينيّات القرن المنصرم. أمّا في عالمنا العربيّ، فيُعتبَر الباحثُ والمُفكّر المغربيّ المهدي المنجرة (1933 - 2014) أوّلَ عالِمِ اجتماعٍ خاضَ في هذا المجال. ولسرديّات المستقبل دلالاتٌ متعدّدة تتعلَّق بالتمثّلات والاستشراف والتوقّعات. أمّا نِطاقُها فيتّسع ليَشملَ الفلسفةَ والاجتماعَ والأدبَ والفنّ عموماً.

في مجال الأدب تحيلنا هذه الدراسات إلى قصص الخيال العلمي، من جهة، وإلى الروايات الاستباقيّة التي تَكشف عن رؤيا للمستقبل.. قد تكون تشاؤميّة أو على العكس أوتوبيّة مثاليّة، وتَستند إلى وعيٍ ثاقبٍ للواقع وما يَحتمله من إمكانات أو ما يَختزنه من مآزق ومشكلات. غير أنّ هذه السرديّات تبقى مع ذلك احتماليّة وفي صيرورةٍ دائمة تبعاً لتحوّلاتِ الحاضر من جهة، ووفقاً لتمثّلات الماضي، من جهةٍ أخرى. فكما أنّ الحاضر زئبقي كذلك هو الماضي، لأنّه ليس معطىً واضحاً بشكلٍ قطعي وليس واحداً، بل يتغيّر تبعَ النّافذة التي يطلّ الوعيُ من خلالها عليه.

إنّ الزمن في بُعده الحضاري لا يتطوَّر بالضرورة وفقَ خطٍّ مُستقيم، فهذا تصوُّرٌ يَجعل مَسارَه قدراً محتوماً، ويَعزله عن علاقةٍ أساسيّة تَربطه بالوعي الإنساني الذي يتأسَّس على الحريّة والذي يُمكنه، بالتالي، أن يُعطي لحركةِ الزمن معناها. إنّ زمن الوعي الإنساني يَسير وفقَ خطٍّ متعرّج بين عَوْدٍ على بدء وقفزةٍ إلى الأمام وبينهما حاضر هارب. قد يَقتحم الماضي الحاضرَ الذي يتحوَّل إلى مجرّدِ تكرارٍ له، كما يُمكن للماضي أن يُحدِّدَ المستقبل الذي يُصبح مجرّدَ استمرارٍ له، فتُصاب الحضارةُ بالجمود والموت. في المقابل يُمكن لكيفيّة تصوُّر المستقبل أن تَفعل في الماضي من خلال تغيير تمثّلاته وبلْورة نظرة جديدة تَبحث فيه عن شعلةٍ حيّة لا تزال قادرة على أن تنير الحاضر وأن ترفد المستقبل. فما هو دَور الأدب، وتحديداً دَور السرد القصصي، في تكوين تصوُّرٍ للمستقبل في عالَمِنا العربي، ولاسيّما أنّ السردَ، كما أَوضح ذلك بول ريكور في كتابه المعروف "الزمن والسرد"، هو أكثر الفنون الأدبيّة إفساحاً في المجال لخلْق علاقةٍ مُغايرة بالزمن ولاقتراحِ عالَمٍ مُختلف.

السرديّات المستقبليّة في الأدب العربيّ

إنّ استعراضاً سريعاً للنِتاج الأدبي العربي في القرن العشرين يَكفي لنَستنتجَ الحضورَ الخجول للسرديّات المستقبليّة. ولعلّ أهمّها في منتصف الخمسينيّات مسرحيّة "رحلة إلى الغد" - 1957 لتوفيق الحكيم (صدرت عن دار مصر وأُعيد إصدارها عن دار الشروق في إطار مُبادَرة حفْظ التراث)، وهي تُعتبر بحقّ نصّاً مؤسِّساً في الأدب العربي المستقبلي. بَطلا المسرحيّة مهندسٌ وطبيبٌ يُرسَلان في صاروخ إلى الفضاء كعقابٍ بديل عن حُكمِ إعدامٍ صادرٍ بحقِّهما. بَعد ثلاثِ مائةٍ وتسعِ سنواتٍ، كأنّها يوم وليلة، يعودان إلى كوكب الأرض حيث كلّ شيء قد تغيَّر نتيجة تطوُّرٍ كبير في الطبّ والعلوم والتقنيّات: أعمار الناس صارت تَصل إلى ثلاثمائةِ عام، وكبسة زر واحدة على جهازٍ آليّ باتت تكفي للحصول على الكُتب والصحف وقراءتها، ولا أمراض ولا حروب؛ إلّا أنّ البشرَ يُصبحون أشبه بالآلات، فيفتقدون أهمّ ما يُميِّز الكائنَ البشري وهو الحريّة والقدرة على الحبّ. يُمكن القول إنّ خيال الكاتب الذي استَلهمَ التراثَ القرآني وتحديداً سورة "أهل الكهف"، نَجح في تقديم رؤيا عربيّة للمُستقبل ذات بُعدٍ عالمي، وإنّ هذه الرؤيا تكاد تتحقَّق اليوم - أو هي تحقَّقت، في جانبٍ كبير منها، على أرض الواقع.

ومن الروايات التي تنطوي على بُعدٍ استشرافي، رواية "ثرثرة فوق النيل" لنجيب محفوظ، الصادرة في العام 1966. فقد توقَّع صاحبُها هزيمةَ العام 1967 نتيجةً لحالة انعدام الواقعيّة السياسيّة وغياب الوعي لدى السلطة الحاكمة من جهة، ولامتناعِ النّخب الثقافيّة عن تحمُّل مسؤوليّاتها من جهةٍ أخرى. وقد عبَّر محفوظ عن ذلك من خلال بُعدٍ رمزيّ أضفاه على الحبكة؛ فأبطال الرواية، وهُم مجموعة من الأصدقاء الذين يَتشاركون السخطَ نفسه على ما آلت إليه الأوضاعُ السياسيّة والاجتماعيّة في البلاد، يذهبون في رحلةٍ على مَتن باخرةٍ تجوبُ النيلَ في مُحاولةٍ للهروب من الواقع مُستسلمين لنشوة السّكر وتعاطي المخدّرات. حتّى إذا ما أفاقوا من سَكرتِهم اكتشفوا أنّ الباخرةَ قَطعتْ شوطاً كبيراً داخل الماء وأنّ طريقَ العودةِ أضحى غير مضمون.

من جِهته، تنبّأ الكاتبُ السوداني الطيّب صالح منذ منتصف ستّينيّات القَرن الماضي في روايته الشهيرة "موسم الهجرة إلى الشمال" (1966) بظاهرةٍ أصبحت مَثارَ قَلقٍ اليوم، بل مأساة حقيقيّة أبطالها المئات من المُهاجرين الأفارقة الذين تُقلُّهم قواربُ الموت وتُقفَل في وَجهِهم حدودُ الدول الأوروبيّة الخائفة على استقرارها. فكان هذا الروائي سبّاقاً في تناوُل موضوع الهجرة الذي أصبح من الموضوعات الأساسيّة التي عالَجها في العقود الأخيرة روائيّون مُلفتون أمثال إلياس خوري، وربيع جابر وإبراهيم اليوسف والحبيب السالمي الذين استشرفوا واقعَ الإنسان العربي في المنافي كما انعكاسات التهجير والنزوح على البنية الاجتماعيّة في مُدنِ المستقبل التي ستكون مُدناً هجينةً بالضرورة.

وقد استطاعَ الطّاهر وطّار سنة 1992 في روايته "الشمعة والدهاليز"، أن يَتنبّأ بالحرب الأهليّة في الجزائر التي ستَستمرّ على مدى عشر سنوات سَقط خلالها آلاف القتلى والجرحى نتيجة الإرهاب المسلَّح الذي استَهدف في الدرجة الأولى النّخبة المثقّفة. بطل الرواية، مناضلٌ عروبي مُناهِض لحركة الفرنسة في الجزائر يَجِدُ نفسَه فجأة في مُواجَهة مجموعة من التّهم المتناقضة بالعمالة والخيانة والأصوليّة والعلمانيّة، إذ يشدّه إلى جهته كلٌّ من الفُرقاء المُتصارعين، فيَسقط في النهاية تحت الرصاص الذي يُطلقه عليه في اللّحظةِ نفسِها جميعُ خصومه، ليُجسِّدَ بذلك محنةَ الشعب الجزائري، عموماً، ومحنةَ المثقّف العلماني، من جهةٍ أخرى، كضحيّةٍ لصراعٍ سياسي اعتُبر من أكثر الصراعات دمويّة في تاريخ الجزائر بَعد الاستقلال.

وفي العقد الأوّل من القَرن الحادي والعشرين بَرْهَنَ أحمد خالد توفيق في روايته "يوتوبيا" (2008) عن وعيٍ استشرافيٍّ ثاقب. فقد تَنبَّأ فيها بالتحوُّلات السلبيّة التي سيَشهدها المُجتمعُ المصري سنة 2023 حيث تتكرَّس الفوارق الطبقيّة ويَتفاقم الفقرُ وتنهار القيَمُ الاجتماعيّة. وقد اعتُبرت هذه الرواية من أهمّ السرديّات الديستوبيّة العربيّة، وتُرجمت إلى لغاتٍ عدّة.

من المُلاحَظ أنّ كلَّ هذه السرديّات المستقبليّة تَنتمي إلى الديستوبيا وتَكشف عن وعيٍ حزين، وهي لا تَختلف لهذه الناحية عن الروايات الاستباقيّة التي ظَهرت في الغرب غداة الحرب العالميّة الثانية، وأهمّها رواية جورج أورويل "1984" (1949)، ورواية ألدوس هاكسلي الذائعة الصيت "عالَم جديد شجاع" (1932)، حيث استَشرف اختراعَ الروبوت وتنبَّأ بإمكانيّة الاستعاضة عن أرحام الأمّهات بأوعيةٍ خاصّة توضَع فيها الأجنّة!!! وفي الفترة المُعاصِرة استشرفَ برنار فيربير في ثلاثيّته "النمل" (1991)، وميشال ويلبيك في "احتماليّة جزيرة" (2005) الانعكاسات السلبيّة للثورة العلميّة والتكنولوجيّة الحديثة على مُستقبل المصير الإنساني وعلى المُجتمعات البشريّة وعلى العلاقات بين الجنسَيْن.

المُلاحَظ أنّ الديستوبيا هي السمة الغالبة للسرديّات المستقبليّة المُعاصِرة في الأدب الغربي. فقد دَخل الوعيُ الغربي مرحلةَ "ما بعد الحداثة"، وهو ما يتجلّى في توجُّهٍ واضحٍ لدى كتّاب وفلاسفة كبار من أمثال ليوتار وفوكو ودريدا ودولوز نحو إعادة النّظر في منجزات عصر التنوير مُعتبِرين أنَّ العقلَ التنويري قد أدّى إلى السيطرة والهيْمنة واستباحَ كلَّ شيء، بما فيه الإنسان الذي سُخِّر كأداةٍ للإنتاج والاستهلاك في عالَمٍ تَحوَّلَ إلى سوقٍ كبرى يَحكمها هاجسُ الربحيّة.

وإذا كانتِ الروايةُ العربيّة الاستشرافيّة تنحو أيضاً في اتّجاه التشاؤم، إلّا أنّها تَختلف عن السرديّات المستقبليّة الغربيّة من حيث البيئة الفكريّة والاجتماعيّة التي أَنتجتها. ذلك أنّ الوعي العربي قد فاجَأته الثورةُ التكنولوجيّة المُعاصِرة وهو لم يَدخل بَعد فعليّاً مناخَ الحداثة، بل لا يَزال مُحاصَراً بأسئلةِ القَرن التّاسع عشر، وعلى الأخصّ بقضيّة العلاقة بالتراث وبمسألة الهويّة، ما أَجهض محاولاتِ التجديد منذ ما يُعرف بعصر "النهضة"، حيث فَشل التنويريّون العلمانيّون وانكَفأوا أمامَ التيّار الإصلاحي التوفيقي؛ وهذا الوضع لا يزال قائماً إلى يومنا هذا، بل هو ازدادَ سوءاً مع ظهور الأصوليّات وتفاقُمِها.

السرديات الأدبيّة المستقبليّة وتعميق الوعي بالواقع العربيّ

إنّ المشكلات الرّاهنة التي تُواجِه المنطقةَ، من حروبٍ وتحوُّلاتٍ سياسيّة وأزماتٍ اقتصاديّة وبيئيّة وتفاقُمٍ للعنف وبروزٍ للعصبيّات الدينيّة والإثنيّة، فضلاً عن ظاهرة الخوف من الآخر.. كلّ ذلك ينيط بالأدب مسؤوليّةَ إنتاج رؤىً مستقبليّة تَرتكز على تمثّلاتٍ مُغايِرة تَمنحه دَوراً أساسيّاً في إيقاظ الوعي النقدي وصولاً إلى الخروج من مآزق القرن الحادي والعشرين.

أيّ مستقبل نتطلَّع إليه في عالَمِنا العربي؟ وكيف يُمكن إنتاج سرديّاتٍ للمستقبل تُساعد القارىء العربي على بناء مُستقبلٍ أفضل؟

بديهي القول إنّ الإنسانَ العربيّ، كغيره من البشر، يَطمح إلى العيش في مجتمعاتٍ آمنة ومُستقرّة ومُتماسِكة. وإذا كان التنوُّعُ سمةَ المُجتمعات العربيّة منذ نشأتها، كونها تَضمّ مجموعاتٍ دينيّة وإثنيّة ولغويّة مُختلفة، وفيها بدوٌ وحضر، فإنّ تماسُكَ هذه المجتمعات يَمرّ عبرَ الاعتراف بهذا التنوُّع الذي غالباً ما تمَّ تجاهله أو التغاضي عنه عند بناء الدولة الحديثة لاعتباراتٍ سياسيّة وإيديولوجيّة. ولا يَتنافى هذا الاعترافُ مع مبدأ العروبة الجامعة، بل يَتكامل معه، متى أُحسنت إدارةُ التنوُّع ضمن الوحدة. فتُحترم خصوصيّة الجماعات التي تُعبِّر عن نفسها بحريّةٍ وتتفاعل مع غيرها ضمن الانتماء الواحد إلى أرضٍ ووطن. ويُمكن للأدب أن يُسهِم في بلْورةِ هذا التوجُّه عَبر تسليط الضوء على واقع التنوُّع بوجوهِه المختلفة، ومن خلال مُقارَبةٍ جديدة لمفهوم الهويّة تَرتكز على الخروج من الأحاديّة إلى الهويّة المركَّبة المُتحوِّلة المُتفاعلة مع متغيّراتِ الواقع.

أمّا في مسألة العلاقة بالتراث، فلا بدّ من تحرير العقل العربي من ثنائيّة التراث/ الحداثة، الماضي/ المستقبل، التي أقامته في أسرها لعقود طويلة وحالت دون دخوله الفعلي في مناخ الحداثة. ولعلّ مفهوم الانزياح الذي يُعرّفه الفيلسوفُ والمفكّر الفرنسيّ فرانسوا جوليان (في كتابه الهويّة الثقافيّة لا وجود لها، ترجمة بسّام بركة، المنظّمة العربيّة للترجمة، 2024) بأنّه "مغامرة" و"استكشاف" و"تنقيب" عن إمكانيّة افتتاح مساراتٍ جديدة، يُشكَّل وسيلةً معرفيّة لمُقارَبةٍ جديدة للتاريخ والتراث، فهو برأيه "يتيح التفكير في الأصل من حيث هو أصل، أي مقاربته هو نفسه بطريقةٍ ليست ثابتة، بل تطوُّريّة، من دون أن تسبغ عليه هالةً أسطوريّة". إنّ السرديّة الأدبيّة لمُستقبلٍ عربي لا تتأسَّس على رؤية جوهرانيّة للتراث كما للثقافة وللآخر. فما يَحتاجه القارئُ العربيُّ اليوم هو نصوص أدبيّة توقِظ لديه الحسَّ النقدي الذي يُحرِّره من الأحاديّات ومن الماضويّة فيَتخلّى عن الأحكام القاطعة ويُدرِك نسبيّة الحقائق ولا نهائيّة الاحتمالات المستقبليّة؛ ذلك أنّ التحوُّلَ والصيرورة مبدأ أساسي في حركة التاريخ. هي نصوص تحضّ الفكر على البقاء في حالة توتُّرٍ دائم وخلّاق، يَحفظ المسافةَ الضروريّة بين الذّات والآخر، سواء تمثَّل هذا الآخر بالتراث أم بثقافةٍ أخرى.

إنّ الأدب العربي الذي يطمح إلى صَوْغِ رؤيا مستقبليّة واعدة، هو الذي يَمتلك القدرةَ على الانخراط في حركةٍ إنسانويّة جديدة، "إنسانويّة الثقافة الثالثة"، وفقَ تعبير الشاعرة والباحثة التونسيّة أمّ الزّين بن شيخة المسكيني في كتابها "الفنّ وسرديّات المُستقبل"، التي تُراهِن فيه على دَور الثقافة في بلْورةِ مفهومٍ إيجابيّ للإنسان وعلى مُواكَبة التطوُّر العلمي والتكنولوجي بفكرٍ فلسفي يَستنبط أخلاقيّاتٍ جديدة ويُحدِّد الأُسسَ الجماليّة والفنيّة الضروريّة لكلِّ إبداعٍ أصيل.

في المحصّلة يُمكن القول إنّ الأدَب العربي المُعاصر يَستطيع الإسهام في صَوْغِ سرديّاٍت جديدة للمستقبل وفي المشاركة في الحوار الكوني حول مستقبل البشريّة من خلال رفْده الثقافة العربيّة بتصوُّرٍ جديد للإنسان العربي ولدَوره في صنْع التاريخ. إنّه الإنسان المتحرّر من سجنِ ماضٍ فردوسي يَحنّ إليه ويُحاول استعادته ليَردمَ به هاويةَ حاضره المأسويّ فيَسقط في الجمود والتخلُّف؛ إنسان يَمتلك الوعي والمقوّمات الفكريّة والأخلاقيّة التي تتيح له الولوج بخطىً ثابتة إلى مُستقبلٍ لعلّه يكون واعِداً بصورةٍ أكبر.

*ناقدة أدبيّة من لبنان

* ينشر بالتزامن مع دورية افق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي