عبد الله المعمري
في 15 سبتمبر 2026، اعترضت قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي طائرة مسيّرة أطلقتها الميليشيات الحوثية، حاولت دخول المجال الجوي للعاصمة المقدسة (مكة المكرمة). وبعد نحو أسبوعين، وتحديدًا في 29 سبتمبر 2026، استهدفت الميليشيات الحوثية محطة «طيبة» لتوزيع الكهرباء بمدينة رسوله الكريم ــ صلّى الله عليه وسلم ــ (المدينة المنورة)، التي تقدم خدمات كهربائية للمسجد النبوي الشريف، مما أدى إلى خروج أحد المحولات عن الخدمة دون تأثر الشبكة الكهربائية، وفقًا لما أعلنه تحالف دعم الشرعية في اليمن.
وأمام هذه الاعتداءات والمحاولات المتكررة، يتبادر إلى الذهن تساؤل مهم: إلى أي مدى تكفل قواعد القانون الدولي حماية الحرمين الشريفين، وما المسؤولية القانونية المترتبة على الاعتداء عليهما؟
لا يمكن الحديث عن حماية الحرمين الشريفين دون النظر إلى مكانتهما لدى أكثر من ملياري مسلم حول العالم، فمكة المكرمة مهبط الوحي وقبلة المسلمين وقد وردت عدة آيات وأحاديث في فضلها وحرمة الإلحاد فيها، والمدينة المنورة دار هجرة الرسول ﷺ وفيها مسجده الشريف وقد ورد في فضائلها وحرمة ترويع أهلها أحاديث عدة، وقد جعلت المملكة العربية السعودية حماية الحرمين وخدمتهما مسؤولية واضحة في نظامها الأساسي للحكم، الذي نص في مادته الأولى على أن دستور الدولة هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، وفي مادته الرابعة والعشرين على إعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما وتوفير الأمن والرعاية لقاصديهما، بل نصت المادة الثالثة والثلاثون على تجهيز القوات المسلحة للدفاع عنهما. ولم يقتصر النظام على مسؤولية الدولة، فقد أكدت المادة الرابعة والثلاثون أن الدفاع عن العقيدة الإسلامية والمجتمع والوطن واجب على كل مواطن. وقد جسّد الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، هذه المكانة حين أعلن عام 1986م استبدال لقب «صاحب الجلالة» بلقب قال عنه: «أحبه ويشرفني أن أحمله وهو خادم الحرمين الشريفين. «وتبعه على ذلك أخواه من بعده، وهما: الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، والملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله. ومن هنا، فإن حماية الحرمين الشريفين ليست مجرد مسؤولية تفرضها السيادة على الأرض، وإنما واجب ديني ونظامي تجاه مقدسات ترتبط بها قلوب المسلمين في أنحاء العالم.
أما على المستوى الدولي، فلم تغفل الاتفاقيات التي انضمت إليها المملكة حماية أماكن العبادة، فقد نصت المادة (53) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977م، والمادة (16) من البروتوكول الإضافي الثاني، على حظر الأعمال العدائية الموجهة ضد أماكن العبادة التي تمثل تراثًا ثقافيًا أو روحيًا للشعوب، كلٌّ بحسب نطاق تطبيقه. كما جاءت اتفاقية لاهاي لعام 1954م لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، ثم بروتوكولها الثاني لعام 1999م الذي أتاح حماية معززة لبعض الممتلكات الثقافية وفق شروط محددة. ورغم أن هذه الاتفاقيات لم تذكر الحرمين الشريفين باسميهما، فإنها وضعت قواعد قانونية لحماية الأماكن الدينية، وهو ما يثير تساؤلًا عن مدى كفاية هذه الحماية العامة لهما، وما إذا كانت مكانتهما تستدعي حماية دولية أكثر صراحة وخصوصية.
ولا تقف المسألة عند حدود التصدي لهذه الاعتداءات ومنع وقوعها، وهو ما تضطلع به المملكة وفق مسؤوليتها التي قررها النظام الأساسي للحكم، بل تمتد إلى المسؤولية القانونية المترتبة على مرتكبيها. وفي هذا السياق، أدان مجلس الأمن الدولي في بيانه الرئاسي الصادر بتاريخ 15 أكتوبر 2026م الهجمات الحوثية على المملكة، مؤكدًا حقها الأصيل في الدفاع عن نفسها وفقًا للقانون الدولي، وهو الحق الذي تقرره المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة في حال وقوع اعتداء مسلح، ومشددًا على أهمية تنفيذ القرار رقم (2216) لعام 2015م، ومنع وصول الأسلحة وأشكال الدعم العسكري إلى الحوثيين. ومن هنا يبرز السؤال عن المسؤولية التي يتحملها من يخطط لهذه الاعتداءات أو ينفذها، بل وحتى الأطراف التي تقدم الدعم لها متى ثبتت مسؤوليتها قانونًا. فالتصدي للاعتداء يحول دون وقوع الضرر، أما محاسبة المعتدي فتسعى إلى منع تكراره.
المفارقة أن هذه الاعتداءات تُنسب إلى جماعة تعلن انتماءها للإسلام، بينما تهدد أمن أقدس بقعة. وفي 15 أكتوبر، كشف المتحدث باسم قوات تحالف دعم الشرعية عن حصول الحوثيين على تقنيات عسكرية متقدمة بمساعدة أطراف إقليمية، وهو ما يثير تساؤلًا آخر عن مسؤولية الأطراف التي يثبت تورطها في دعم هذه الاعتداءات، ومدى إمكانية مساءلتها قانونيًا.
وأمام هذه الاعتداءات، أكد مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، برئاسة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - أن «ميليشيا الحوثي الإرهابية ستواجه عواقب جرائمها واعتداءاتها الآثمة المتكررة». فالمملكة تضطلع بمسؤوليتها في حماية الحرمين الشريفين وأمن قاصديهما، ولكن ذلك لا يعفي المعتدين من تبعات أفعالهم. وعلى من تسوّل له نفسه المساس بهذه المقدسات أن يدرك أن فشل اعتدائه لا يعني سقوط مسؤوليته، وأن من يثبت تورطه لن يكون بمنأى عن المطالبة بمحاسبته وفق القانون. فحرمة الحرمين الشريفين ليست محل مساومة، وأمن قاصديهما ليس ميدانًا للمغامرات، ولا بد أن تكون محاسبة المعتدين رادعًا لكل من يفكر في تكرار هذه الأفعال.
وأمام هذه الاعتداءات والمحاولات المتكررة، يتبادر إلى الذهن تساؤل مهم: إلى أي مدى تكفل قواعد القانون الدولي حماية الحرمين الشريفين، وما المسؤولية القانونية المترتبة على الاعتداء عليهما؟
لا يمكن الحديث عن حماية الحرمين الشريفين دون النظر إلى مكانتهما لدى أكثر من ملياري مسلم حول العالم، فمكة المكرمة مهبط الوحي وقبلة المسلمين وقد وردت عدة آيات وأحاديث في فضلها وحرمة الإلحاد فيها، والمدينة المنورة دار هجرة الرسول ﷺ وفيها مسجده الشريف وقد ورد في فضائلها وحرمة ترويع أهلها أحاديث عدة، وقد جعلت المملكة العربية السعودية حماية الحرمين وخدمتهما مسؤولية واضحة في نظامها الأساسي للحكم، الذي نص في مادته الأولى على أن دستور الدولة هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، وفي مادته الرابعة والعشرين على إعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما وتوفير الأمن والرعاية لقاصديهما، بل نصت المادة الثالثة والثلاثون على تجهيز القوات المسلحة للدفاع عنهما. ولم يقتصر النظام على مسؤولية الدولة، فقد أكدت المادة الرابعة والثلاثون أن الدفاع عن العقيدة الإسلامية والمجتمع والوطن واجب على كل مواطن. وقد جسّد الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، هذه المكانة حين أعلن عام 1986م استبدال لقب «صاحب الجلالة» بلقب قال عنه: «أحبه ويشرفني أن أحمله وهو خادم الحرمين الشريفين. «وتبعه على ذلك أخواه من بعده، وهما: الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، والملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله. ومن هنا، فإن حماية الحرمين الشريفين ليست مجرد مسؤولية تفرضها السيادة على الأرض، وإنما واجب ديني ونظامي تجاه مقدسات ترتبط بها قلوب المسلمين في أنحاء العالم.
أما على المستوى الدولي، فلم تغفل الاتفاقيات التي انضمت إليها المملكة حماية أماكن العبادة، فقد نصت المادة (53) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977م، والمادة (16) من البروتوكول الإضافي الثاني، على حظر الأعمال العدائية الموجهة ضد أماكن العبادة التي تمثل تراثًا ثقافيًا أو روحيًا للشعوب، كلٌّ بحسب نطاق تطبيقه. كما جاءت اتفاقية لاهاي لعام 1954م لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، ثم بروتوكولها الثاني لعام 1999م الذي أتاح حماية معززة لبعض الممتلكات الثقافية وفق شروط محددة. ورغم أن هذه الاتفاقيات لم تذكر الحرمين الشريفين باسميهما، فإنها وضعت قواعد قانونية لحماية الأماكن الدينية، وهو ما يثير تساؤلًا عن مدى كفاية هذه الحماية العامة لهما، وما إذا كانت مكانتهما تستدعي حماية دولية أكثر صراحة وخصوصية.
ولا تقف المسألة عند حدود التصدي لهذه الاعتداءات ومنع وقوعها، وهو ما تضطلع به المملكة وفق مسؤوليتها التي قررها النظام الأساسي للحكم، بل تمتد إلى المسؤولية القانونية المترتبة على مرتكبيها. وفي هذا السياق، أدان مجلس الأمن الدولي في بيانه الرئاسي الصادر بتاريخ 15 أكتوبر 2026م الهجمات الحوثية على المملكة، مؤكدًا حقها الأصيل في الدفاع عن نفسها وفقًا للقانون الدولي، وهو الحق الذي تقرره المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة في حال وقوع اعتداء مسلح، ومشددًا على أهمية تنفيذ القرار رقم (2216) لعام 2015م، ومنع وصول الأسلحة وأشكال الدعم العسكري إلى الحوثيين. ومن هنا يبرز السؤال عن المسؤولية التي يتحملها من يخطط لهذه الاعتداءات أو ينفذها، بل وحتى الأطراف التي تقدم الدعم لها متى ثبتت مسؤوليتها قانونًا. فالتصدي للاعتداء يحول دون وقوع الضرر، أما محاسبة المعتدي فتسعى إلى منع تكراره.
المفارقة أن هذه الاعتداءات تُنسب إلى جماعة تعلن انتماءها للإسلام، بينما تهدد أمن أقدس بقعة. وفي 15 أكتوبر، كشف المتحدث باسم قوات تحالف دعم الشرعية عن حصول الحوثيين على تقنيات عسكرية متقدمة بمساعدة أطراف إقليمية، وهو ما يثير تساؤلًا آخر عن مسؤولية الأطراف التي يثبت تورطها في دعم هذه الاعتداءات، ومدى إمكانية مساءلتها قانونيًا.
وأمام هذه الاعتداءات، أكد مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، برئاسة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - أن «ميليشيا الحوثي الإرهابية ستواجه عواقب جرائمها واعتداءاتها الآثمة المتكررة». فالمملكة تضطلع بمسؤوليتها في حماية الحرمين الشريفين وأمن قاصديهما، ولكن ذلك لا يعفي المعتدين من تبعات أفعالهم. وعلى من تسوّل له نفسه المساس بهذه المقدسات أن يدرك أن فشل اعتدائه لا يعني سقوط مسؤوليته، وأن من يثبت تورطه لن يكون بمنأى عن المطالبة بمحاسبته وفق القانون. فحرمة الحرمين الشريفين ليست محل مساومة، وأمن قاصديهما ليس ميدانًا للمغامرات، ولا بد أن تكون محاسبة المعتدين رادعًا لكل من يفكر في تكرار هذه الأفعال.