«الانتقاص من الإنسان العربي وتاريخه» واحدة من أغرب الظواهر التي تتكرر في بعض نقاشات العرب. هذا يعيّر العربي بـ«أصوله البدوية»، وذاك يسخر من موروثه فيزدري الإبل والصحراء، وثالث يتهم العرب بـ«الجهل والعصبية والتخلف».. الخ.
المفارقة أن هذه الآراء تصدر من عرب، يتحدثون عن عروبتهم كما لو كانت عبئًا ورثوه، ويحملون هويتهم مسؤولية مجتمعاتهم.
هذه الظاهرة تتبناها بعض «النخب»، ثم تمرر لتبني عليه الشعوب العربية تفسيراتها تجاه الهزائم والتراجع.
فكيف أصبح الانتماء العربي تهمة في طروحات بعض العرب؟ لهذه الظاهرة جذور فكرية تاريخيا؛ العصر العباسي شهد جدلًا عرف بـ«الشعوبية»، نهج في بعض امتداداته الحط من شأن العرب.
ثم جاءت صدمة الحداثة الأوروبية، فبرز «سؤال التأخر العربي» حاضرًا في الفكر الحديث، ومع الهزائم السياسية والعسكرية تحول النقد أحيانًا من مساءلة المؤسسات والأنظمة، إلى مساءلة الثقافة العربية ذاتها.
اتجاهات فكرية مختلفة أسهمت في تشكيل هذه الظاهرة؛ ففي بعض الأدبيات الإسلامية جرى تقديم المرجعية الدينية باعتبارها الرابطة العليا للانتماء، كما في كتابات «سيد قطب» المتأخرة. وفي الفكر اليساري اتجه النقد للبنى الاجتماعية والثقافية الموروثة؛ فـ«صادق جلال العظم»- مثلا- بحث في أسباب الهزيمة داخل المجتمع العربي، بينما تناول «أدونيس» علاقة الثقافة بالتقليد والسلطة.
ورغم اختلاف هذه المشاريع ومقاصدها، تحولت بعض أفكارها في الخطاب العام إلى أحكام قاسية على الهوية العربية نفسها. هنا تكمن المعضلة؛ إذ تتحول الهوية من إطار تاريخي وثقافي جامع إلى تفسير جاهز للإخفاق، وتصبح الصحراء رمزا للتخلف، والبداوة سمة للدونية، والموروث عائقًا مفترضًا أمام التقدم. مع أننا إذا ما رجعنا إلى دراسات الهوية، من «عصبية ابن خلدون» إلى الجماعات المتخيلة عند «بندكت أندرسون»، سوف نكتشف أهمية الانتماء المشترك في تماسك الشعوب وقدرتها على بناء مستقبلها، مع التنبيه في المقابل إلى الأثر المدمر للصور المهينة التي قد تستبطنها الجماعات عن نفسها.
الهوية العربية تمتلك من القوة ما يجعل اختزالها في مراحل الضعف مجافيًا للمنطق التاريخي. فقد كانت العربية لغة علم وفلسفة وأدب، استوعبت إنتاج علماء وفلاسفة من أصول متعددة، وأسهمت في بناء حضارة واسعة. والعرب الذين شهد تاريخهم تلك العصور من الازدهار هم أنفسهم الذين مروا لاحقًا بمراحل الانحسار والتفكك. بقيت عناصر الهوية حاضرة، بينما تغيرت ظروف الحكم والاقتصاد والتعليم وإنتاج المعرفة. وهذا وحده يكشف قصور التفسير الذي يحمل العروبة سبب التأخر.
تجارب التحديث أثبتت أن الشعوب تستطيع استيعاب منجزات الحضارة الإنسانية مع الاحتفاظ بخصوصيتها الثقافية. أما تحويل التقدم إلى مشروع للانسلاخ من الهوية، فقد ينتج اغترابًا يجعل الإنسان يستعير صورة الآخرين عن نفسه، ويقدر تحضره بمقدار ابتعاده عن جذوره، بينما تبقى أسباب التخلف الفعلية قائمة.
الهوية العربية أوسع من التجارب السياسية التي رفعت شعارها، وأعمق من الصور النمطية التي تختزلها في الصحراء والقبيلة والإبل. وهي رصيد تاريخي وثقافي يمنح أبناءها شعورًا بالانتماء والاستمرارية، ويملك القدرة على استيعاب التجديد والتطور.
فلماذا نحاكم هويتنا بإخفاقات صنعتها السياسات والمؤسسات والظروف التاريخية؟ لقد مرت العروبة بعصور القوة والضعف، وبقيت هويتها أوسع من الهزائم، وما يحتاجه العرب اليوم هو استعادة قدرتهم على الإنجاز، وليس البحث عن هوية أفضل أو انتماء أقوى. مواجهة هذه النبرة/ الظاهرة، واستعادة الوعي بهويتنا العربية الجامعة، بما تحمله من ثراء ثقافي وتاريخي لشعوب تمتد على صدر الكوكب، يمثلان خطوة مهمة نحو النهوض. فهذه الهوية تملك من المشتركات مما يؤهلها لأن تكون مصدر قوة وتضامن وتكامل بين شعوبها.
المفارقة أن هذه الآراء تصدر من عرب، يتحدثون عن عروبتهم كما لو كانت عبئًا ورثوه، ويحملون هويتهم مسؤولية مجتمعاتهم.
هذه الظاهرة تتبناها بعض «النخب»، ثم تمرر لتبني عليه الشعوب العربية تفسيراتها تجاه الهزائم والتراجع.
فكيف أصبح الانتماء العربي تهمة في طروحات بعض العرب؟ لهذه الظاهرة جذور فكرية تاريخيا؛ العصر العباسي شهد جدلًا عرف بـ«الشعوبية»، نهج في بعض امتداداته الحط من شأن العرب.
ثم جاءت صدمة الحداثة الأوروبية، فبرز «سؤال التأخر العربي» حاضرًا في الفكر الحديث، ومع الهزائم السياسية والعسكرية تحول النقد أحيانًا من مساءلة المؤسسات والأنظمة، إلى مساءلة الثقافة العربية ذاتها.
اتجاهات فكرية مختلفة أسهمت في تشكيل هذه الظاهرة؛ ففي بعض الأدبيات الإسلامية جرى تقديم المرجعية الدينية باعتبارها الرابطة العليا للانتماء، كما في كتابات «سيد قطب» المتأخرة. وفي الفكر اليساري اتجه النقد للبنى الاجتماعية والثقافية الموروثة؛ فـ«صادق جلال العظم»- مثلا- بحث في أسباب الهزيمة داخل المجتمع العربي، بينما تناول «أدونيس» علاقة الثقافة بالتقليد والسلطة.
ورغم اختلاف هذه المشاريع ومقاصدها، تحولت بعض أفكارها في الخطاب العام إلى أحكام قاسية على الهوية العربية نفسها. هنا تكمن المعضلة؛ إذ تتحول الهوية من إطار تاريخي وثقافي جامع إلى تفسير جاهز للإخفاق، وتصبح الصحراء رمزا للتخلف، والبداوة سمة للدونية، والموروث عائقًا مفترضًا أمام التقدم. مع أننا إذا ما رجعنا إلى دراسات الهوية، من «عصبية ابن خلدون» إلى الجماعات المتخيلة عند «بندكت أندرسون»، سوف نكتشف أهمية الانتماء المشترك في تماسك الشعوب وقدرتها على بناء مستقبلها، مع التنبيه في المقابل إلى الأثر المدمر للصور المهينة التي قد تستبطنها الجماعات عن نفسها.
الهوية العربية تمتلك من القوة ما يجعل اختزالها في مراحل الضعف مجافيًا للمنطق التاريخي. فقد كانت العربية لغة علم وفلسفة وأدب، استوعبت إنتاج علماء وفلاسفة من أصول متعددة، وأسهمت في بناء حضارة واسعة. والعرب الذين شهد تاريخهم تلك العصور من الازدهار هم أنفسهم الذين مروا لاحقًا بمراحل الانحسار والتفكك. بقيت عناصر الهوية حاضرة، بينما تغيرت ظروف الحكم والاقتصاد والتعليم وإنتاج المعرفة. وهذا وحده يكشف قصور التفسير الذي يحمل العروبة سبب التأخر.
تجارب التحديث أثبتت أن الشعوب تستطيع استيعاب منجزات الحضارة الإنسانية مع الاحتفاظ بخصوصيتها الثقافية. أما تحويل التقدم إلى مشروع للانسلاخ من الهوية، فقد ينتج اغترابًا يجعل الإنسان يستعير صورة الآخرين عن نفسه، ويقدر تحضره بمقدار ابتعاده عن جذوره، بينما تبقى أسباب التخلف الفعلية قائمة.
الهوية العربية أوسع من التجارب السياسية التي رفعت شعارها، وأعمق من الصور النمطية التي تختزلها في الصحراء والقبيلة والإبل. وهي رصيد تاريخي وثقافي يمنح أبناءها شعورًا بالانتماء والاستمرارية، ويملك القدرة على استيعاب التجديد والتطور.
فلماذا نحاكم هويتنا بإخفاقات صنعتها السياسات والمؤسسات والظروف التاريخية؟ لقد مرت العروبة بعصور القوة والضعف، وبقيت هويتها أوسع من الهزائم، وما يحتاجه العرب اليوم هو استعادة قدرتهم على الإنجاز، وليس البحث عن هوية أفضل أو انتماء أقوى. مواجهة هذه النبرة/ الظاهرة، واستعادة الوعي بهويتنا العربية الجامعة، بما تحمله من ثراء ثقافي وتاريخي لشعوب تمتد على صدر الكوكب، يمثلان خطوة مهمة نحو النهوض. فهذه الهوية تملك من المشتركات مما يؤهلها لأن تكون مصدر قوة وتضامن وتكامل بين شعوبها.