محمد بن أحمد المقصودي

لا تتوقف آثار التضليل الرقمي عند حدود الخبر الخاطئ أو الموقف المتسرع، بل قد تمتد إلى الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى المجتمعات المختلفة عنه. فالصورة التي تتكون في ذهنه عن شعب أو ثقافة قد لا تستند إلى معرفة مباشرة، وإنما إلى أخبار متفرقة ومقاطع منتقاة وتعليقات تتكرر حتى تبدو وكأنها حقائق مستقرة. وحين تُبنى هذه الصورة على التعميم أو التحريف، فإنها لا تشوه فهم الواقع فحسب، بل قد تنشئ حواجز نفسية تضعف فرص التواصل بين البشر.

وقد يبدأ الأمر بحادثة فردية تُعرض على نطاق واسع، ثم تتحول في أذهان بعض المتلقين إلى وصف لجماعة كاملة. أو يُقتطع مشهد من سياقه ليصبح مادة للسخرية من عادة اجتماعية، أو تُقدم رواية مثيرة عن بلد معين وكأنها تختصر تاريخه وقيمه وتجارب سكانه. وفي هذه الحالات، ينتقل التضليل من مستوى المعلومة إلى مستوى التصور الثقافي، فيصبح الإنسان أكثر ميلًا إلى تفسير أفعال الآخرين وفق أحكام مسبقة، بدلًا من فهم ظروفهم والاستماع إلى رواياتهم.

ومن المهم هنا التمييز بين احترام الثقافات المختلفة وبين التسليم بصحة كل ما يجري داخلها. فالتفاهم الحضاري لا يفرض على الإنسان التخلي عن قيمه أو الامتناع عن نقد الممارسات التي يراها ضارة أو غير عادلة، لكنه يطالبه بأن يكون نقده قائمًا على معرفة دقيقة، وأن يميز بين الفعل وصاحبه، وبين ممارسة محددة ومجتمع متنوع، وبين الاختلاف الذي يمكن فهمه والسلوك الذي يستحق المساءلة. فالاختلاف لا يلغي حق النقد، كما أن النقد لا يمنح صاحبه مبررًا لإهانة الآخرين أو اختزالهم في صورة واحدة.

إن المجتمع لا يمكن اختصاره في حادثة، والثقافة لا تُفهم من خلال مقطع عابر، والإنسان لا ينبغي أن يُحاكم بناءً على رواية لا يعرف مصدرها. فكل مجتمع يضم تجارب واتجاهات متعددة، وتختلف مواقف أفراده واهتماماتهم وظروفهم. وإذا تجاهلنا هذا التنوع، فإننا نستبدل المعرفة الفعلية بصورة مبسطة قد تكون مريحة لأذهاننا، لكنها عاجزة عن تفسير الواقع. أما الإنصاف فيقتضي أن ننظر إلى الوقائع في حدودها الحقيقية، وألا نحول سلوك فرد إلى حكم على ملايين البشر.

ومن هنا تتضح لي ولكل منصف ومحايد ومتوازن نفسيًا، العلاقة بين التحقق من المعلومات وحماية التفاهم بين الثقافات. فعندما يفحص الإنسان الرواية التي تصله عن مجتمع آخر، ويتأكد من مصدرها وسياقها، فإنه يمنح نفسه فرصة لتكوين موقف أكثر اتزانًا. وعندما يميز بين الواقعة والتفسير الذي أُلحق بها، يصبح أقل عرضة لتبني أحكام عامة لا تسندها الأدلة. أما إذا تعامل مع كل ما يراه بوصفه حقيقة مكتملة، فقد تتحول الشاشة إلى نافذة تعزز أحكامه السابقة بدلًا من أن توسع معرفته بالعالم.

وتزداد أهمية هذه المسألة في أوقات الأزمات والنزاعات؛ إذ ترتفع خلالها حدة الخطاب، وتنتشر الروايات والسرديات الكاذبة التي تستثير مشاعر الخوف والغضب، وقد يُقدم الطرف الآخر باعتباره كتلة واحدة تتشابه في المواقف والنوايا.

لكن مقاومة هذا التضليل لا تعني تجاهل الانتهاكات أو التخفيف من خطورة الجرائم، بل تعني أن تكون المساءلة قائمة على أدلة واضحة، وأن تُنسب المسؤولية إلى من تثبت مسؤوليته، وألا تتحول المطالبة بالعدالة إلى مبرر لإدانة أشخاص لمجرد انتمائهم إلى مجتمع معين.

فالعدالة في نظري لا تنسجم مع المعايير المزدوجة، ولا تستقيم إذا تغيرت أحكامنا بتغير هوية الشخص الذي نتحدث عنه. ومن غير المنصف أن نرفض التعميم عندما يمس مجتمعنا، ثم نستخدمه ضد جماعة أخرى، أو أن نطالب الآخرين بالتحقق من الأخبار التي تتعلق بنا، ثم نتساهل في قبول ما يسيء إلى غيرنا. إن المعيار الأخلاقي الذي نطالب به الآخرين ينبغي أن نطبقه على أنفسنا أولًا، لأن احترام الحقيقة لا يتجزأ، وكرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون رهينة الاتفاق معه أو الاختلاف عنه.

ولا تتحقق هذه الغاية من خلال تصحيح الأخبار وحده، بل تحتاج أيضًا إلى ثقافة حوار تسمح للناس بالتعبير عن اختلافاتهم دون أن يتحول كل خلاف إلى خصومة. فالحوار الحقيقي لا يقوم على إجبار الطرف الآخر على تبني وجهة نظرنا، وإنما على فهم حجته وتحديد موضع الاختلاف، والتمييز بين ما نتفق عليه وما نختلف فيه. وقد لا ينتهي الحوار إلى اتفاق كامل، لكنه يستطيع أن يزيل سوء الفهم، ويكشف جوانب لم تكن واضحة، ويمنع الخلاف من التحول إلى عداء قائم على تصورات خاطئة.

وللشباب الواعي في مجتمعنا في هذا المجال دور يتجاوز مجرد تجنب نشر المحتوى المضلل. فهم قادرون على إنتاج محتوى يعرف بتجارب المجتمعات المختلفة، ويعرض تنوعها الإنساني، ويتيح لأصحاب التجربة التعبير عن أنفسهم بدلًا من أن يتحدث الآخرون عنهم دائمًا. كما يمكنهم تقديم القضايا الثقافية بلغة تجمع بين الجاذبية والدقة والحس الوطني المتزن، وتثير الفضول المعرفي بدلًا من السخرية، وتساعد الجمهور على فهم السياقات التي تشكل العادات والمواقف والتجارب الإنسانية.

ولا يعني هذا تزيين الواقع أو إخفاء المشكلات التي تعاني منها المجتمعات؛ فالتفاهم الحقيقي لا يقوم على المجاملة، وإنما على المعرفة الصادقة. ومن الممكن أن نعرض الممارسات التي تستحق النقد، وأن نناقش الاختلافات الفكرية والاجتماعية بوضوح، دون أن نحولها إلى أحكام مطلقة على الشعوب. فالمطلوب ليس إلغاء الاختلاف، بل تحريره من التضليل الذي يضخمه، ومن التعميم الذي يحوله إلى خصومة، ومن الصور النمطية التي تمنع الإنسان من رؤية الآخرين كما هم.

وتظل الوزارات والمؤسسات المعنية شريكًا أساسيًا في بناء هذه الثقافة. فالمؤسسات التعليمية تستطيع إدماج الحوار بين الثقافات في برامجها، وتدريب الطلاب على مناقشة القضايا المختلف عليها باستخدام الأدلة واحترام وجهات النظر. كما يمكنها إتاحة فرص للتعاون والتبادل المعرفي، بحيث يتعرف الشباب إلى تجارب الآخرين من خلال التواصل المباشر والمصادر الموثوقة، لا من خلال الصور المنتقاة وحدها. فالمعرفة المباشرة لا تلغي الأحكام المسبقة تلقائيًا، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاختبارها ومراجعتها.

أما الإعلام، فيتحمل مسؤولية تقديم الأحداث ضمن سياقاتها، وتجنب استخدام العناوين التي تثير العداء أو توحي بأن واقعة فردية تمثل مجتمعًا كاملًا. كما ينبغي أن يحرص على التمييز بين الخبر والرأي، وأن يتيح مساحة لعرض الوقائع من زوايا متعددة، دون مساواة مصطنعة بين الادعاءات المدعومة بالأدلة وتلك التي تفتقر إليها. فالمهنية الإعلامية لا تعني عرض جميع الروايات بالدرجة نفسها من المصداقية، بل تعني تقييمها وفق مصادرها وأدلتها ومدى اتساقها مع الوقائع المتاحة.

وتتحمل المنصات الرقمية بدورها مسؤولية في الحد من انتشار المحتوى المضلل، من خلال تعزيز الشفافية بشأن آليات التوصية، وتوفير أدوات فعالة للإبلاغ عن المواد المزيفة، وتحسين الوصول إلى التصحيحات والمعلومات الموثوقة. لكن معالجة المشكلة ينبغي ألا تتحول إلى تقييد غير مبرر لحرية التعبير، أو إلى وسيلة لإسكات الآراء المخالفة. فالمطلوب هو إيجاد توازن يحمي الناس من الأضرار الحقيقية، ويحافظ في الوقت نفسه على حقهم في النقاش والنقد والتعبير المسؤول.

ويجب أن نستوعب أن بناء الثقة لا يتحقق بإخفاء المعلومات أو ادعاء اليقين، بل بتوضيح ما هو معروف وما لا يزال موضع بحث، وشرح الأدلة التي تستند إليها التفسيرات، والاستعداد للاعتراف بالخطأ عند ثبوته. وحين يجد الناس مصادر تتعامل معهم بوضوح واحترام، يصبحون أكثر قدرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات التي تستغل مخاوفهم. أما حين تغيب المعلومات الواضحة، فإن الشائعات تجد مساحة أكبر لملء الفراغ، وقد تتحول التخمينات إلى قناعات يصعب تغييرها.

ومن المسلم به وفق بحوث علمية قانونية وإعلامية، انه لا تستطيع القوانين أو الأدوات التقنية أو البرامج التعليمية أن تحل محل المسؤولية الفردية. فقد تتاح للمستخدم وسائل التحقق، لكنه يتجاهلها لأن الخبر يوافق موقفه، وقد يتعلم الطالب قواعد التفكير النقدي، لكنه لا يطبقها عندما يشعر بالانفعال. ولهذا تحتاج صناعة الوعي إلى بيئة اجتماعية تحترم السؤال، وتقبل مراجعة الآراء، وتفصل بين كرامة الإنسان وصحة ما يقوله. فتصحيح المعلومة لا يستلزم إهانة صاحبها، واحترام الشخص لا يعني التساهل مع ادعاء ضار أو اتهام بلا دليل.

ومن الحكمة التي هي ضالة المؤمن، أيضًا أن يدرك الشباب أن مواجهة التضليل لا تقتضي الرد على كل تعليق أو الدخول في كل نقاش. فبعض الحوارات تتيح مجالًا للفهم، وبعضها لا يتجاوز تبادل الاتهامات. وقد يكون تقديم مصدر موثوق أكثر فائدة من سلسلة ردود غاضبة، كما قد يكون الامتناع عن إعادة نشر مادة مشكوك فيها إسهامًا مهمًا في الحد من انتشارها. فالوعي لا يُقاس بكثرة الجدل، بل بقدرة الإنسان على اختيار الموقف الذي يضيف معرفة أو يقلل ضررًا.

إن مسؤولية الشباب في العصر الرقمي ليست مسؤولية تقنية فحسب، بل مسؤولية معرفية وأخلاقية وإنسانية. فهي تبدأ من التحقق من الخبر، وتمتد إلى عدالة الحكم، واحترام الاختلاف، ورفض التعميم، والاستعداد للاستماع إلى الآخرين. وكلما أصبحت هذه المبادئ جزءًا من الممارسة اليومية، ازدادت قدرة المجتمعات على التعامل مع الخلافات الحقيقية دون أن تضيف إليها خصومات مصطنعة تصنعها الشائعات والمعلومات المبتورة.

وفي نهاية المطاف أصل إلى، أنه لا يكمن وصول الإنسان في قدرته على متابعة كل ما ينشره العالم، بل في قدرته على فهم ما يصل إليه، والتمييز بين الدليل والانطباع، ومراجعة أحكامه حين تتغير المعطيات. كما أن نجاح المجتمعات لا يُقاس بكمية المعلومات المتاحة لأفرادها وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل هذه المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى وعي، والوعي إلى سلوك يحترم الحقيقة وكرامة الإنسان.

وفي واقعنا، قد لا يلاحظ أحد شابًا امتنع عن نشر إشاعة، أو آخر صحح معلومة بهدوء، أو ثالثًا اختار أن يسأل قبل أن يتهم، لكن هذه الأفعال الصغيرة قادرة على إحداث أثر تراكمي في البيئة الرقمية. فحين تتراجع المشاركة غير المسؤولة، وتزداد قيمة الدليل، ويصبح الاعتراف بالخطأ سلوكًا مقبولًا، تتسع مساحة الفهم وتضيق فرص التلاعب بالعقول والمشاعر.

إن العالم الذي قربته التقنية لا يحتاج إلى مزيد من الرسائل المتداولة فحسب، بل إلى عقول تعرف كيف تفحصها، وضمائر تدرك أثرها، وشباب قادرين على الجمع بين حرية التعبير ومسؤولية الكلمة. وعندما يصبح الوعي الرقمي أساسًا للتعامل مع المعلومات، ويصبح الإنصاف قاعدة للحكم على الآخرين، يغدو اختلاف الثقافات فرصة للتعارف والتعلم، بدلًا من أن يكون ذريعة للنفور والصراع.

وهنا تتجلى الغاية الأعمق من الانتقال من استهلاك المعلومات إلى صناعة الوعي: أن يصبح الإنسان مشاركًا مسؤولًا في بناء المعرفة العامة في مجتمعنا، لا مجرد محطة تعبر من خلالها الأخبار. فالمستقبل لن تصنعه سرعة النشر وحدها، بل تصنعه أيضًا دقة التحقق، والشجاعة في تصحيح الخطأ، والقدرة على فهم المختلف دون إنكار الاختلاف معه.

وبذلك يستطيع شبابنا السعودي الباسل أن يسهموا في بناء فضاء رقمي وطني أكثر إنسانية، يحفظ للحقيقة مكانتها، وللحوار قيمته، وللإنسان حقه في أن يُفهم بعيدًا عن الأكاذيب والصور النمطية والأحكام التي لا تسندها الوقائع.