لم تكن اللحمة السعودية وليدة لحظة حماس، أو مطامع سلطة، بل كانت كما أشرت مثالا وجسدها الواقع ممثلة في المملكة العربية السعودية، نتاج مسيرة بدأت منذ ما يربو على قرن من الزمن، حيث توحدت أطرافها على يد المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، ثم واصل البناء والتنمية وترسيخ الثوابت، ووضع النظم المطورة على ذلك النهج القويم أبناؤه البررة سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله، تغمدهم الله بواسع رحمته، إلى عهد ملك العزم والحزم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله وسدد بالتوفيق خطاه.

والحديث عن المملكة العربية السعودية حديث ذو شجون، ويحتاج إلى مساحة من الوقت حتى نوفي الموضوع حقه، والتاريخ يشير إلى أن المملكة الحديثة تكاد تكون من أقدم الدول الحديثة التي واصلت مسيرة البناء والنماء بخطى ثابتة، وأمن وأمان مستقرين، وكان كياناً متماسكاً بلحمته ممسوكاً بنظام ودستور مبني على الشريعة الإسلامية كمصدر تشريعي دعم من ثبات هذه الدولة، حيث إن مسيرة أكثر من (90) عاماً مرت الأمة العربية خلالها بالعديد مما يسمى بالثورات الكبرى كان جلّ همها إسقاط الملكيات في الدول العربية وزعزعة الحكومات القائمة آنذاك.

ولعل المتابع منذ بداية الخمسينيات حتى اليوم يلحظ وبكل وضوح أن تلك الثوارات قامت وفق نزوات الحماس نهجها والسلطة مرادها، لذلك تكشفت ولو بعد حين على أنها كانت ثورات بلا إستراتيجيات تخدم الشعوب وتحمي الكيانات. وها نحن بعد سبعين سنة من ثورة مصر، وبعد خمسين عاما من ثورة ليبيا، وكذلك العراق وتونس وسوريا ولبنان واليمن والسودان نرى الأخوة الأشقاء فيها كشعوب نادمين على تلك الشعارات الجمهورية البراقة والظواهر الصوتية ذات الضجيج الخاوي، وما آلت إليه حالات شعوبهم من نكبات، والتي كانت تعيشها وتنعم بخيراتها الشعوب في أمن وأمان وتطور تصاعدي، يرون أنها لو استمرت لكان وضعهم افضل بكثير، حيث تكشفت أخيرا ملفات تتهم تلك الحكومات الثورية على تعاقبها، أنها لم تكن تتبنى الشعوب كهدف إستراتيجي لتحقيق متطلبات النمو والتطور الذي يخدم تلك الشعوب ويبني لها حاضراً سعيداً ومستقبلاً أفضل، بل كانت تلك الحكومات كل همها الحفاظ على منصب رئيس الدولة حتى لو كان على حساب الوقيعة بين الشعب دون الاكتراث بمطالب الشعوب.

فكانت هذه النهاية المؤسفه لحال تلك الحكومات، وهذا الوضع المزري لتلك الشعوب التي للأسف كان حكامها ينظرون إلى غيرهم من الشعوب العربية على أنها متخلفة ورجعية ولا تفقه في السياسة ولا في إدارة مصالح الشعوب، لنجد في الأخير أن حكومات الثورات كانت مهملة شعوبها متمسكة بمناصبها أضاعت معها مصالح الشعوب وخيرات البلاد بعكس تلك الدول التي كانت في قاموس حكومات الثورات لا تفقه في السياسات والإدارات المحلية، حيث كانت بلسماً لشعوبها محافظة على وحدتها ساعية لتطويرها.

لذلك فلا غرو أنه ومع مرور عقود على تلك العهود إلا أن شيئاً مما يذكر من التطور لا يقاس نسبة وتناسباً مع ما كان يحدث في عهد تلك الدول قبل الثورات وشماعة التقدمية، وعودة إلى مقدمة هذه المقالة من أننا في المملكة العربية السعودية أكثر من تألم لحال تلك الشعوب، وذلك لأن المملكة وسط تلك الثورات العنيفة كانت متماسكة وثابتة وستبقى كذلك، وهي كما كانت منذ عقود تحذر وتنصح، واليوم هي تعايش هذه الثورات الحديثة، وتؤكد منذ عقد من الزمن ما نخشاه أن تتحول لا سمح الله إلى كوارث على تلك الشعوب مما يؤثر على عالمنا العربي بشكل عام، وهذا ما حدث، وربما مصر الوحيدة التي نجت من الكارثة..

فكم كنا ولا زلنا نتمنى وقد صار الآن الحكم في تلك الدول تحت حكم الشارع الذي طالب بإسقاط النظام فلم يعد هنالك أنظمة، أن نجد بين من في الشارع من الحكماء وأهل الحل والعقد من ينبه تلك الشعوب إلى مخاطر مثل تلك الثورات التي لا نبالغ إذا أسميناها بـ(الفوضى)، حتى لا نجد تلك الدول تواصل الغرق في برك من الدماء في تنافس محموم على السلطة أو المناصب لأن ما نلاحظه هو فقدان هيبة الدولة وسيطرة الشارع، وفعلا ضاع النظام وهذه وربي (آفة كبرى).

وأكرر نحن في المملكة العربية السعودية وسط هذا التلاطم المخيف بكل ثقة وثبات نقف وراء قيادتنا الحكيمة، ونناشد الإخوة في عالمنا العربي بأن يحكموا العقل ويتدارسوا الأمر ببصيرة، ويحافظوا على تلاحم الشعوب مع القيادة، والعمل مجتمعين لما فيه صالح الأمة، هذا وبالله التوفيق.