هناك مواقف لا يمكن أن تخونها الذاكرة، وهناك قصص تأبى إلا أن تبقى، أتذكر أول مناوبة لي بعد التخرج في كلية الطب وأنا في سنة الامتياز بقسم الأطفال، كانت في آخر الممر غرفة فيها طفلة لا تتجاوز عامها الثالث، لديها مشاكل صحية كثيرة ومعقدة، لا يستوجب معها الإنعاش، كما قرر الفريق المعالج، ووقع على ذلك الإقرار أبواها، فماتت الصغيرة بصمت، فكان عليّ أن أخبر أمها التي كانت للتو تحتضنها، أن إزرقاق طفلتها المفاجئ لم يكن تشنجًا ولم يكن مجرد توقف تنفسي، بل هو توقف في القلب وهبوط في الدورة الدموية، ولا يمكنني تقديم أي مساعدة طبية لها، حتى الإنعاش الذي حاولت أن أقوم به رغم توصيات الفريق المعالج وإقرار الوالدين بعدم الإنعاش. كان للموقف رهبة، كيف أقول للأم التي كانت تراقبني أن طفلتها (فاطمة) ماتت؟!، أتذكر (فاطمة) كانت طفلة مصابة بمتلازمة جينية، الأم عرفت بموت طفلتها، فقد أخبرتها الأجهزة قبل أن أخبرها، لم أكن أعرف وقتها كيف أحتوي حزنها وهي تردد (راح توحشيني يا بركة البيت). لم أكن أعرف مدى استعداد الأم لتلقي خبر وفاة طفلتها، ولكنني أدركت أن الأم لم يكن لديها تصور حقيقي لحالة طفلتها الصحية، أو ربما نكران الواقع يجعل المريض أو ذويه يفهمون شيئًا مختلفًا ويرفضون الحقيقة. قبل هذا الموقف بقيت أسيرة قصة موت الفتى صالح، صاحب الخمسة عشر ربيعًا، كان مصابًا بفشل في الكبد نتيجة مرض وراثي، كنتُ وقتها في السنة الخامسة بكلية الطب، كنّا مع أستاذنا القدير، يعلمنا كيف نفحص الكبد وما هي علامات فشل الكبد على المريض، لمحت الخوف على وجه الفتى، فسمعته يوجه سؤاله لأستاذنا: دكتور إيش عندي؟ كان من المتوقع أن طبيبه المعالج قد أخبره بكل شيء، لأنه منوم في المستشفى منذ وقت طويل، فما كان من أستاذنا إلا أن قال له: كبدك فاشلة!!، أعتقد خانه التعبير، كان تعبيرًا مخيفًا ومرعبًا، لم يتوقعه المريض، فقلق. وفي الأسبوع الذي يليه ذهبنا للمستشفى ذاتها لدرسٍ مختلف، لكنني وجدتُ نفسي أدخل غرفة صالح الذي لم أجده، وحينما سألت عنه قالوا لي إنه مات قبل يومين. ما الذي جعل صحة صالح تتدهور لحد الموت! هل هو مرضه أم نفسيته!؟، أيقنت عندها أن الكلام مع المريض وذويه له شروط، فألم الحقيقة أحيانًا قد يفوق المرض نفسه. لقد أظهرت الدراسات أن المرضى وعائلاتهم يتذكرون الطريقة التي تمّ بها توصيل الخبر السيئ والكلمات التي استخدمها الطبيب بالضبط، ونظراته وتفاعله، الأطباء والممارسون الصحيون مسؤولون عن واحدة من أكثر المهام تعقيدًا كتقديم تشخيص نهائي أو أخبار غير سارة لمرضاهم أو لذويهم.
لن يكون نقل الأخبار السيئة والتشخيصات الصعبة أمرًا سهلاً، ولكن يمكن للأطباء بذل قصارى جهدهم في هذا النوع من التواصل بين الطبيب والمريض من خلال اتباع بروتوكولات معينة وأفضل الممارسات. يجب أن تكون هناك خصوصية للمريض وذويه عند إبلاغهم خبرًا سيئًا، يجب إظهار الاهتمام بالأمر، وكسب ثقتهم وطرح أسئلة مفتوحة لمعرفة مدى إدراك المريض أو ذويه للوضع الصحي. بينما يرغب بعض المرضى معرفة كل شيء عن حالتهم الصحية، يرفض البعض الآخر، ولكن في كل الأحوال يجب تقديم المعلومة التي يحتاجها المريض في هذا الوقت بالذات، وعقد اجتماع آخر لتوضيح مستجدات وإعطاء معلومات أكثر. قد تختلف ردود أفعال المريض العاطفية من الصمت إلى عدم التصديق أو البكاء أو الإنكار أو الغضب. على الطبيب أن يقدم الدعم ويُظهر التضامن مع المريض، يجب إعطاء وقت أطول للمريض وإجابة كل سؤال واستفسار بصدر رحب، يجب قول الحقائق، نعم، ولكن بطريقة صحيحة تجعل المريض وذويه أكثر تقبلاً للأمر. ويبقى ليس من السهل أبدًا تغيير مسار حياة إنسان بخبر سيئ، ويكون الأمر أكثر صعوبةً عندما تحمل خبرًا سيئًا لمريض في زيارته الأولى.