إذا كان معنى الصحوة الدينية أنها: اليقظة بعد السبات، والهداية بعد الضلال، والعلم بالشرع بعد الجهل به، وإحياء السنن بعد مواتها، وانحسار المحرمات بعد فُشُوِّهَا، وتحقيق التوحيد بعد انتشار الإشراك، وسيادة التستر والعفاف بين الرجال والنساء بعد غلبة ضده بينهما؛ إذا كان هذا هو معنى الصحوة فالزمن الذي يستحق وصفه بذلك هو زمن قيام الدولة السعودية بأسره، منذ التأسيس وحتى يومنا هذا؛ ألا يرى المُطَّلِع على التاريخ ما كان عليه أهل الجزيرة، من الجهل والفرقة وضعف التدين وفشو الجهل، وما آل إليه حالهم بعدها؛ بل ألَاْ يرى ما كان عليه العالم الإسلامي قبل قيام الدولة السعودية، وكيف كان أثر قيامها على المسلمين، من عودة العقيدة الصحيحة وضعف حال أهل البدع والخرافات.

لا شك أن كل منصف يرى ذلك، ومن لا يراه فالعيب في بصيرته لا في بصره؛ ولهذا فوصف الصحوة لا ينبغي أن يُطلق على جزء من تاريخ المملكة؛ وإنما هو وصف مستغرق لجميع مراحلها.

وكذلك هو وصف جميل من حيث دلالته اللغوية، فلا ينبغي أن يُطلَق على جزء من تاريخنا لاشتماله على مظهر سلبي، وإنما يُوصف المظهر السلبي بوصفه، ويُنْتَقَد ويُكْشَفُ بمفرده، وأما الصحوة التي هي السِّمَة المُصَاحِبَةُ لنشأة دولتنا فتبقى كما هي، فإذا لم يكن وجود المملكة العربية السعودية على أرض هذه الجزيرة الطيبة صحوةً لها فليس هناك صحوةٌ أبدًا.

زمن نهاية التسعينات الهجرية والعقود التي تليه،حدث فيها خلل فكري، كان له آثار سلبية على كثير من شباب الجيل، وليس على كل الجيل؛ وكاد أن يكون له آثار كارثية، لولا أن الله تعالى وقى شرها؛ ومن نِعْمَة الله تعالى علينا أن هذا الخلل اليوم واضح المعالم، بحيث يسهل تحديدُه وتَميِيْزُه، وَمِن ثَمَّ نقدُه بمفرده، واستئصالُه وحده، دون أن نكون مضطرين إلى تشويه تاريخنا من أجله، أو نقد مسيرتنا كاملةً بسبب وجوده؛ وإنما نأخذ هذا الخلل ونُظهِر فساده ونوضح عدم انتمائه إلى بيئتنا الفكرية وتراثنا القِيَمِي.

إن العيوب التي تعتور الفكر العام أو القِيَم العامة أشدُّ خطرًا وتعقيدًا وحاجة إلى دقة المعالجة من الأورام التي تصيب الدماغ والعياذ بالله، فإنَّ ورم الدماغ إن لم يتهيأ له جَرَّاح حاذق فسوف يقع مبضعُ غير الحاذق على جزء قَلَّ أو كَثُرَ من الخلايا السليمة فيأخذها معه ليعود المريض معتوهًا أو مشلولا أو مصابًا بعاهة يتمنى معها لو أنه بقي على ورمه؛ وإذا لم تعالج العيوب الفكرية والقِيَمِيَّة العامة بمثل ذلك المبضع الحاذق فلا تسأل عن النتيجة السيئة كيف ستكون.

الخلل كان بوضوح تسرب الفكر الحزبي إلى طائفة ممن اشتغل بالدعوة والعمل الخيري في ذلك الوقت، ومنهم انتقل إلى طوائف من الشباب والناشئة، ولم يتم الانتباه له ومعالجته وقت ظهوره، فنتج عنه آثار سيئة على العقيدة والدعوة، ومن ثَمَّ على العمل الخيري في الداخل والخارج؛ وأسهم في تيسير امتداده استغلال القائمين عليه بالدين والشريعة ومصائب الأمة الإسلامية وما تعانيه من هضم حقوقها المشروعة والتآمر العالمي عليها.

هذا هو الخلل وحده، ولم يكن الخلل هو ازدياد التدين أو انتشار العلم الشرعي أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو حجاب المرأة وقرارها في بيتها؛ نعم بعض هذه الأشياء استغلها المتحزبون في شعاراتهم وخريطتهم الحزبية؛ لكن ذلك لا يعني أَن نصادر هذا الخير العظيم وكأننا ننسبه إلى الحزبيين، ونقول لأجيالنا القادمة وللعالم إن كل ما كنتم ترونه في بلدنا من مظاهر العلم والتدين والعفاف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبرامج الإغاثة والتوعية في الداخل والخارج كلها من صنع الحزبيين من الإخوان والسروريين ومن نحا نحوهم ومن تأثر بطرحهم من التكفيريين.

مؤسف جدًا أن نُطالع ونستمع في خطابنا الإعلامي الخاص والشعبي إلى من يُعَرِّضون بكثير من مظاهر الالتزام في حياتنا وينعتونها بكونها من مظاهر الصحوة القديمة التي تخلصنا منها -حسب وصفهم- فإحداهن تسخر بالمتحجبات اللواتي يُذَكرنها بزمن الصحوة، وآخر يسخر من أهل اللحى والثياب القصيرة الذين يرتادون الأسواق والمعارض ويقول إنهم يذكروننا بمعاناتنا خلال أربعين سنةً ماضية، وثالث يسخر بمظاهر المحافظة الأبوية على البنات، ورابع يسخر من التعليم الديني والعقدي، وخامس يسخر من المنهج السلفي ويرى أننا وصلنا لمرحلة إعلان التخلص منه، وسادس أكثر من هؤلاء جميعًا جرأةً يعلن أننا تخلصنا اليوم من ارتباط الدولة بالدين.

من يكتب هذا الكلام ليس له مشكلة مع التحزب الذي هو الخلل الذي عايشناه في تلك المرحلة التي تُسَمَّى بالصحوة؛ بل له مشكلة مع كثير من تعاليم الدين ومع الفتوى الشرعية التي كانت ومازالت مُعْتَمَدَةً لدى مؤسسة الفتوى الرسمية، وغالب هؤلاء يتطلعون إلى تحزب من نوع آخر؛ فَلَإن كان الإخوان ومن تأثر بهم يستظلون في تحزبهم بمظلةِ دينية يستغلون شعاراتها النبيلة لأهدافهم الخاطئة فإن كثيرًا من نُقَّاد الدين باسم الصحوة يتطلعون إلى تحزب آخر تحت مظلة الحرية، ولا يخفى أن شعار الحُرِّية أقوى شعار قامت عليه أعتى الثورات في العالم بدءًا من الثورة الإنجليزية مرورًا بالثورة الفرنسية وانتهاءً بثورات ما يُسَمى زورًا وبهتانًا بالربيع العربي التي قامت أول ما قامت بدعوات وتشجيع دعاة التحرر قبل أن تركبها الحركات الإسلامية وتختطف شعار الحرية من الليبراليين، وهو الشعار الذي فشلت الحركات الإسلامية في المحافظة عليه، حتى عاد إلى أيدي الليبراليين الذين يقودون اليوم الدولتين الوحيدتين اللتين نجحت الثورة فيهما بالاستقرار في السلطة، وإن لم تنجح في تحقيق وعودها.

إن استغلال أخطاء الصحوة في الاعتداء من بعض المثقفين وأدعياء الثقافة على الدين والقِيَم لا ينبغي أن يتطور عَمَّا هو عليه؛ وإنما يجب أن ينتهي ويُنهى عنه ويُؤاخَذُ عليه، لأن التمادي فيه يُصيِّرُه منعطفًا خطيرًا في التغيير القِيَمِي والأخلاقي، نُدْرِكُ خطورتَه جيدًا من رؤيتنا للواقع الثقافي والاجتماعي الأوروبي الذي سبق دُوَل العالم أجمع في الانقلاب القِيَمي، وتَبِعَ انقلابَه القِيَمُّ انقلابٌ سياسيٌ، وليس أحدٌ في حاجةٍ لأن يُدَلِّل على ما وصلوا إليه من انهيار في الأخلاق وشيوع للجريمة؛ وكذلك من نَهَجَ نَهْجَهم أو سلك جانبًا من نهجهم في منابذة الدين والقيم من دول العالم وأَخَصُّها عندي الدول الإسلامية وكيف صار حالُها؛ فالمجترؤون على الدين والقِيَم والأخلاق تحت أي عنوان إنما يسعون بأمتهم للبدء من حيث انتهى الآخرون وهو شفير الهاوية.

نعود إلى خلاصة ما بدأنا به، وهو أن أخطاء عشر التسعين الهجرية وما بعدها يجب علاجها، ولكن بعد تحديدها بدقة وليس العدوان على إرثنا الديني والثقافي بحجة معالجة أخطاء عشر التسعين تحت شعار حرب الصحوة.