عن التلحين يقول رياض: «التلحين فن هندسي، كل واحد منا يحاول أن يزيّن هذا الفن بما عنده من إبداع، التلحين هو التوليف في المقامات، والتجنيس لأنغام، ومواءمة بين تلك المقامات والأنغام، يبقى بعد ذلك جمال اللحن، ومدى تماسكه، ومدى تأثيره في السمع، وطريقتي هي أن أضع لحنًا يتسابق مع المغني، أو يقترب منه على الأقل، وهي لا تسمى طريقة، وإنما عمل متميز ومبدع، ومؤثر في النفوس، والتلحين ما هو إلا إلهام وإحساس وانفعال وتذوّق، والروح هي التي تملي على الملحن طريقته».

استوعب رياض طرائق التلحين المختلفة، استمع إلى مَن سبقوه في فن الغناء والتلحين، فاستخرج منها أروع الألحان وأعظمها.

ورياض السنباطي آخر الكلاسيكيين المبدعين، حافظ على القوالب الغنائية التي ابتدعها أساتذته، وسار عليها، إلى أن ظهرت شخصيته الفنية، فأخذ في بناء مدرسته المشتقة من جذور شجرة الأجداد.


ويعتبر رياض من الملحنين المحافظين على التراث العربي الأصيل، أضاف إليه إضافات جمالية اعتبرت مدرسة، فأدخل عليها التصور الموسيقي والانتقالات اللحنية، دون الخروج عن الإطار الذي وضعه عبده الحامولي ومحمد عثمان وسلامة حجازي، ومن بعدهم سيد درويش، الذي اعتبره رياض أستاذه الأول، ومثله الأعلى في الفن، وعن التطوير والتحديث الذي أدخله سيد درويش في الموسيقى العربية قال:

«لقد كان سيد درويش - رحمه الله - أول مَن أحدث نوعًا من الانقلاب الموسيقي على كل ما سبقه من ألحان، والتي كانت تتصف بالرتابة والتكرار والتطويل الممل. ثم جئنا أنا ومحمد عبدالوهاب لنكمل خط التطوير نفسه، الذي بدأه سيد درويش، يعني كلنا خرجنا من عمامة سيد درويش. كل واحد منا أخذ منه حاجة، ولكن مع احتفاظ كل منا بلونه المميز.

سيد درويش هو أستاذ الأساتذة، هو من خطط الموسيقى الجديدة، هو الذي أحدث فعلاً تطويرًا في الغناء العربي. يقولون نحن أتينا بتطوير، نحن لم نحقق أي تطوير... أين هو التطوير؟ إذا كانوا يقصدون بالتطوير إدخال الأورج أو الجيتار على الفرقة... فهذا ليس بتطوير، نحن نتكلم عن التطوير اللحني، هذا لم نحققه بعد سيد درويش».

إن هذا الكلام يعتبر تواضعًا كبيرًا من فنان مثل رياض السنباطي.

حافظ رياض على التراث التقليدي الأصيل في الموسيقى العربية. وكان في ألحانه يهتم بإثارة سامعيه، بأن ينهي جملته الغنائية بقفلة تهز المستمع من مقعده فيصيح «الله». وكان أكثر هذه الأصوات قدرة على أداء هذه القفلات صوت أم كثوم، ويظهر هذا جليًا في أدائها لقصائد السنباطي.

كان رياض يهتم بالزخارف في جمله الموسيقية، وكان يعرفها بـ«الأويمة». ويلاحظ في أسلوب تلحينه التصاعد التدريجي بالغناء، إلى أن يصل به إلى الذروة، التي تلهب أكف المستمعين بالتصفيق. كان بذكائه وموسيقيته يعرف كيف يصل بالغناء إلى هذه الذروة. استعان السنباطي في ألحانه بالآلات الغربية، دون أدنى تشويه للمسار الذي ابتكره بعبقريته العربية التي أثرت أغانيه. كما استخدم الكورس في أعماله الفنية. ففي ألحانه الأولى، كان يعطي الكورس أداء المذهب، كما هو متبع في تلحين الطقطوقة، إلا أنه سرعان ما ابتدع أسلوبًا جديدا وجريئًا، في استخدام الكورس مع أغاني أم كلثوم مثال «نشيد الجامعة» في فيلم «نشيد الأمل» حيث أعطى الكورس جزءًا أساسيًا في الأغنية، يتبادل فيه الغناء مع أم كلثوم. كما استخدم الآهات المؤداة من الكورس في ألحانه، مثال المقدمة الموسيقية للحن «على عودي» أدته مجموعة من الفتيات. وفي «إله الكون» استهل رياض اللحن بكورس من الرجال، وفيها طوع الآهات للون اللحن، كذلك استخدم الكورس بشكل فني رائع في أغاني «إلهي ما أعظمك - نجاة الصغيرة» و«يا أكرم من حكم - فايزة أحمد». ثم أخذ رياض يتفنن في استخدام الكورس في ألحانه، كما في استعراض «لحن الوفاء - عبدالحليم حافظ وشادية»، واستعراض «حبيب الروح - ليلى مراد». واستعان السنباطي بكورال أطفال في قصيدة «الثلاثية المقدسة» في مقطع «طلع البدر علينا» في درجة صوتية تختلف عن تلك التي غنت فيها أم كلثوم.

ومن اهتمامات رياض، إدخال عنصر الإيقاع بشكل ثري في ألحانه للسينما، فخرجت هذه الأغاني من قوالبها وشكلها التقليدي إلى الحداثة والمعاصرة.

وساير السنباطي «موضة» الأورج والجيتار الكهربائي في بعض ألحانه. إلا أنه كان في استخدامه لتلك الآلات يراعي الذوق والتقنية، حتى لا يخرج بطابع الأغنية من الأصالة المصرية، ومن هذه الأغاني:

«من أجل عينيك» حيث استخدم الجيتار والأورج والأكورديون، وفي قصيدة «أقبل الليل» أعطى رياض آلة الأورج دورًا أساسيًا في المقدمة الموسيقية.

تأثرالسنباطي في بعض قصائده باللون الصوفي، إلا أنها خرجت سنباطية خالصة مثال «سلوا قلبي - نهج البردة - ولد الهدى - إلى عرفات الله» لأحمد شوقي. وقد تأثر السنباطي في هذه القصائد بروحانيات المعنى، فأعرب عنها بنغم بلغ ذروة مؤثرة تهز القلوب.

2007*

* أكاديمية عميدة معهد الموسيقى العربية بالقاهرة «1931 - 2013».