الإسلام حضارة يعيش فيها النصارى واليهود كأحد روافدها والمكونين لها، ساهم فيها العرب والعجم والروم والهنود والصينيون والآسيويون قديما، كما ساهم فيها الغربيون والأمريكيون والأفارقة حديثا، ومن الخطأ أيضاً وضع هذا التقابل (الإسلام والغرب)، فالإسلام في الشرق وفي الغرب، في آسيا وأوروبا، في اليابان وأمريكا.
والغرب كنموذج ومثال موجود في الغرب والشرق، في أمريكا واليابان، في الشمال والجنوب، فهو تقابل غير صحيح، نظرا للتداخل الحضاري والجغرافي بين الاثنين، الإسلام والغرب، وهو تداخل سكاني وعمراني وثقافي في آن واحد.
فالإسلام هو الدين الثاني في الغرب بعد المسيحية، ونصارى الشرق هم الذين وضعوا النصرانية قبل أن يضعها المسيحيون في الغرب، مسيحية الغرب والكنيسة الشرقية أكثر امتداداً في التاريخ من الكنيسة الغربية، ويفوق عدد المساجد في الغرب عدد الكنائس في الشرق، والمهاجرون المسلمون في الغرب بالملايين في حين أن المهاجرين الغربيين في الشرق بالآلاف.
لم يكن (الإسلام والغرب) على التقابل أو التناقض عبر التاريخ، فقد انتشر الإسلام غرباً وشرقاً، من الأندلس حتى خراسان، ووردت الحضارات القديمة غرباً عند اليونان والرومان وشرقاً من فارس والهند، ونقل الفلسفة اليونانية وشرحها ولخصها وعرضها وألف فيها وزاد عليها، فـ(ابن رشد) مسلم وذو ثقافة يونانية، ثم نقلها الغرب عنها إبان العصر الوسيط الأوروبي، في العصر المدرسي.. فكانت وراء نشأة العقلانية والتجريبية والإنسانية قبيل العصور الحديثة في الغرب في علوم الرياضة والطبيعة، و(سيجر البرابنتي) أوروبي ذو ثقافة إسلامية، بدأ النقل من شمال البحر الأبيض المتوسط إلى جنوبه أولاً، ثم من جنوبه إلى شماله ثانياً، كما بدأت في العصور الحديثة من الشمال إلى الجنوب أولاً، وقد تبدأ من الجنوب إلى الشمال في المستقبل القريب أو البعيد ثانياً، و(الطهطاوي) عربي مسلم ذو ثقافة أوروبية، و(آن ماري شيميل) ألمانية ذات ثقافة إسلامية.
إنما يدل هذا التقابل (الإسلام والغرب) على مستوى آخر من التحدي والصراع، مسكوت عنه مرة، ومعلن عنه مرة أخرى حتى أصبح البحر الأبيض المتوسط بشاطئيه في الشمال والجنوب أقرب إلى فارسين متبارزين عبر التاريخ، فقد احتل اليونان والرومان المنطقة العربية في نزاعهما مع الفرس، ثم فتح الإسلام هذه البلدان، وورث الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية غرباً بل والفارسية والهندية شرقاً، ورث (السلام الإسلامي) (السلام الرومي).
وانتشرت اللغة والثقافة العربية حول البحر الأبيض المتوسط شمالاً وجنوباً، وأقام حوار الحضارات الذي ازدهر واكتمل في الأندلس في غرناطة وقرطبة وأشبيلية وطليطلة، وفي صقلية وجنوب إيطاليا وشمالها في جامعة بادو، بالإضافة إلى مدارس القيروان والقاهرة وبغداد والبصرة والكوفة، وبلخ ونيسابور وسمرقند، ثم عاد (السلام الروماني) للغزو من جديد إبان الحروب الصليبية من الشمال للاستيلاء على جنوب البحر الأبيض المتوسط، ومن الغرب، فرنسا وإنجلترا إلى الشرق للاستيلاء على قلب العالم الإسلامي في فلسطين، والقدس تحت ذريعة تحرير الأراضي المقدسة بالرغم من عهد عمر وأمان النصارى، أتى الغرب غازياً وعاد متحضرا، هزم عسكرياً وتعلم حضاريا علم المسلمين وثقافتهم. وانتصر المسلمون عسكريا، لكن الدورة الحضارية كانت قد أوشكت على النهاية، فبعد أن قضى الغزالي على العلوم العقلية، وكفر المعارضة، ودعا للسلطان، وشرع سلطته بالشوكة وليس بالبيعة، واختار الأشعرية في العقيدة، والشافعية في الفقه، وأبرز حديث الفرقة الناجية، فرقة السلطان، والفرق الهالكة الضالة، فرق المعارضة من المعتزلة والخوارج والشيعة استتب الأمر للسلاجقة وللأتراك، وبدأ عصر السلطنة العثمانية على مدى أربعة قرون أو يزيد. انغلقت في الداخل وغزت في الخارج، ضعفت في الداخل وقويت في الخارج، وأعادت الحرب مع فارس، وفتحت البلقان، ووصلت جيوشها حتى أبواب فيينا، فظهرت صورة أخرى للإسلام التركي في الثقافة الأوروبية، للمتعصب الوحشي للجاهل المتخلف القاسي، إسلام الحريم والجواري والسراي في الأدب والشعر والموسيقى الغربية، والذي حوله الاستشراق إلى موضوع للدراسة، وكما صور مونتسكيو في (رسائل فارسية)، وكما وضح ذلك إدوارد سعيد في رائعته الأولى (الاستشراق). وبعد أن قوي الغرب بالعلوم الإسلامية وانتشر خارج حدوده فيما يسمى بالكشوف الجغرافية استولى العالم الحديث على العالم القديم، وعبر الغرب البحار غرباً إلى الأمريكتين، واستأصل شعوبهما الأصلية، ثم عبر البحار شرقاً حول جنوب أفريقيا إلى جنوب شرقي آسيا، ونجح في الغزو البحري عبر المحيطات بعد أن فشل في غزوه البري في فلسطين.
وبدأت مرحلة صدام الحضارات، القضاء على هويات الشعوب المستعمرة المتمثلة في ثقافاتها ولغاتها وعاداتها وتقاليدها باسم الحداثة والثقافة العالمية الواحدة. وتكلمت الأمريكتان الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية، وقضت بريطانيا على إمبراطورية المغول الإسلامية، وجعلت اللغة الإنجليزية لغة التخاطب بين القوميات الهندية، وانقسمت إفريقيا إلى أنجلوفونية وفرانكفونية، وحاولت فرنسا محو اللغة العربية والثقافة الإسلامية في الجزائر، ولم يستعص الأمر إلا على آسيا التي حافظت على هوياتها اليابانية والكورية أو البوذية والكنفوشوسية، أو العربية الإسلامية.
2002*
* باحث وأكاديمي مصري "1936 -2021".