ليس استطرادا في غير مكانه، ولا تحاملا على الحقيقة القول إن الأزمة الراهنة التي تعصف بلبنان قد تكون -والله أعلم- أخطر ما شهده على مدى العقود الخمسة الماضية.

وبرغم كثرة العناوين الفرعية لهذه الأزمة الطاحنة وتراكم معطياتها وتداعياتها، فإن عنوانها المركزي الوحيد الذي «يليق» بها؛ هو ذاك المتأتي من إحكام حزب إيران القبض على عنق الجمهورية وأهلها، ولحساب ولي الأمر وصاحب الشأن في طهران!

صحيح القول إن بلد الأرز والأزمات توأمان لا ينفصمان، بحكم تركيبته التعددية الطائفية والمذهبية، وما يستتبعه ذلك من ارتباطات خارجية إقليمية عند المسلمين، ودولية عند المسيحيين، وبالمعايير الدينية والسياسية والثقافية والمادية.. إلخ، وأن ذلك أنتج تمايزات أساسية تحولت لاحقا إلى خلافات ثم إلى معارك متفرقة، وصولا إلى الحروب التي انفجرت في العام 1975م، وما زالت تعّس على البارد!، لكن صحيح في المقابل بأن بلد الأرز أمكنه في العموم أن يبقى قائما ومستمرا ورياديا في نواحي كثيرة، ولا تخفى على أحد. وصحيح أكثر الزعم بأن لبنان في سلمه ونهضته، كما في حروبه وانكساره، كان ولا يزال أسير ذلك التزاوج بين المحلي والخارجي: كان كذلك في المرحلة الأولى السلمية والنهضوية، وبقي كذلك في المرحلة الثانية الصدامية والانحدارية.. وفي الحالتين كان مستعدا ومهيئا للمواكبة بفعل بنيته البشرية والمادية والخدماتية، ودستوره الرحب برغم علاّته الكثيرة، ومناخ الحريات المضمونة في ذلك الدستور، وفي أحكام التنوع الديني التي كانت ولا تزال أقوى في حالات كثيرة من أحكام الكتب والنصوص النظامية والرسمية!.


بهذا المعنى يمكن الزعم بأن لبنان كان ويبقى أسير استحالتين: أولى هي قيام دولة تامة ومنجزة، وثانية هي اضمحلال تلك الدولة، بما هي كيان جامع لمتفرقات جمّة!، وعنوان مشترك لمختلفين لا يملكون القدرة على ترجمة الاختلاف إلى كيان ذاتي صاف ومنفصل عن غيره!.

اتفاق الطائف الذي رعته المملكة العربية السعودية، كانت المحاولة الأكثر واقعية لوضع حلول مستدامة لمحن بلاد الأرز وأزماتها.. صار دستورا جديدا لجمهورية ما بعد الحرب، وفي نصوصه تثبيت لما كان قبلا، خصوصا لجهة الحريات الأساسية والفرعية وطبيعة النظام وتقسيم السلطات ورعاية التنوع والحساسيات وقوننتها باتجاه إيجابي إذا صحّ التعبير.. لكن النص لم يتواكب مع التنفيذ، وبقيت سلطة الوصاية الأسدية فوق ذلك النص وكل متفرعاته، وعملت بدأب على رعاية عدم تنفيذه وإتمامه!، بل راحت إلى إيقاظ السوابق الخلافية والانقسامية لضمان بقاء وديمومة دورها في لبنان، والسعي إلى السيطرة التامة عليه.. وهذا انتهى مع خروجها مدحورة وغصبا عنها غداة جريمة الغدر بالرئيس الراحل رفيق الحريرى في العام 2005.

خرجت منكسرة لكنها أورثت سلطتها وطريقة عملها لإيران وتابعها الأثير والمميز: حزبها في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهذا طوّر في أدائه الإستراتيجي الخاضع لأجندة ولي الأمر في طهران، وإن اعتمد تكتيكات لم تكن مركزية عند الأسديين: وضع مقاومة إسرائيل في رأس جدول أعماله.. انتهى الاحتلال للجنوب اللبناني، لكن جدول الأعمال بقي على ما هو عليه: السيطرة بالتقسيط المريح على لبنان شرعية وشارعا !، وتمكن من ذلك مع ميشال عون وتياره السياسي الذي يقوده صهره جبران باسيل وإن كانت تلك السيطرة غير تامة ومستحيلة في نواح عدّة!.

ولا يختلف مراقبون كثر، خصوصا منهم الذين طحنهم الدهر بتجاربه ومراراته، على اعتبار الأزمة الراهنة و المفتوحة على الأسوأ، أم الأزمات وأخطرها، ونتيجة مباشرة لتحكم حزب إيران وملحقاته السياسية المصفوفة تحت خانة الممانعة، بكل قرار أساسي سلطوي وشرعي على مدى السنوات الماضيات، بما أوصل إلى تأزيم البلد داخليا وخارجيا، وتقطيع أوصاله مع محيطه العربي بما عنى ويعنيه ذلك من كوارث لحقت وتلحق بعموم اللبنانيين.

الافتراض الكئيب بأن هذه الأزمة طويلة وغير مسبوقة، يعود إلى كون حزب إيران يسيطر لكنه لا يملك حلولا عامة لمعضلة مالية الدولة مثلا.. ولا كيفية رعاية الاختلافات الفعلية والمفتعلة بين حلفائه، ولا يستطيع القفز فوق ارتباطه المحكم بالسياسة الإيرانية لمحاولة أخذ مصالح لبنان في الحسبان، لجهة علاقاته العربية مثلا أو لجهة عدم التورط في أداء معاد أمنيا وسياسيا وإعلاميا لدول الخليج العربي، أو لجهة «مراعاة» سائر خلق الله من الأغيار اللبنانيين في علاقاتهم وارتباطاتهم ومصالحهم وثقافاتهم وطبيعة اجتماعهم وعاداتهم وتقاليدهم وطرق عيشهم ومحاكاتهم للدنيا والحداثة، أأتت هذه من الشرق أو الغرب.. بل تحديدا من الغرب!.

وعلى الجانب الآخر يستحكم الإغلاق: لا يحكم ولا يتحكم ولا يسيطر على شيء من يملك برنامجا للإنقاذ، بالمال والسياسة والاقتصاد والدبلوماسية وعلاقات لبنان مع أهله وربعه العرب، ومع العالم الواسع!.

وفي خلاصة الأمر.. يكاد لبنان أن يغرق في أزمته الوجودية والمصيرية وعلى أيدي بعض أهله، الذين أخذتهم إيران إلى مشروعها المستحيل، ووضعت بلد الأرز في سوية حطامية واحدة مع اليمن والعراق وسوريا وغزة!.

* ينشر بالتزامن مع موقع " لبنان الكبير".