قيل الكثير وسيقال الأكثر منه في خطوة اعتزال الرئيس سعد الحريري العمل السياسي اللبناني بما فيه من طقوس وآليات وممارسات.. بدءا بالانتخابات النيابية وصولا إلى كل شيء سياسي آخر، أكان أهم من ذلك أو أقل أهمية.

وأنا المستعيذ بالله من هذه الكلمة، لست مهيئا نفسيا ووجدانيا وعاطفيا لارتكاب قراءة تحليلية لذلك الخطب الجلل بهدوء وموضوعية.

بل أجزم أن قلبي سيسبق عقلي في كل قول. وغريزتي الأولى ستطغى على أي منطق ممكن.. وعلى الرغم من هذا، سأحاول بشيء من الخفر الإفصاح عن بعض ما انتابني من «خلاصات» أولية بعد الإعلان عن تلك الخطوة غير المسبوقة في التاريخ الوطني الحديث والتي تقارب الاغتيال السياسي والمعنوي للرجل.

وفي ذلك تساءلت عن أقدارنا.. وكيف أنها حكمت (مثلا) أن يخرج سعد الحريري إلى الاعتزال ويبقى جبران باسيل في مكانه !

وأن ينكفئ تيار أو خط الرئيس الراحل الشهيد رفيق الحريري ويبقى تيار الرئيس ميشال عون حيث هو ! وأن يعاني السياديون كل تلك الآلام والأوجاع جراء انكسار الميزان من حيث مبدئه قبل تفاصيله. بحيث إن المواجهة «المدنية» تجري مع طرف مسلح هو حزب إيران.

وامتشاق الدستور عندك معناه امتشاق الصاروخ عنده ! والتزام الأطر الديمقراطية هو شأن حاسم في حراكك لكنه نسبي ومبهم ووسيلة حرب في حراكه !

وبناء الدولة العامة هو برنامج عملك فيما تكريس الدويلة الخاصة هو جلّ مبتغاه ومسعاه ورأس جدول أعماله !

بهذا المعنى المبدئي يصير القبض على المعتقد المدني والسلمي والوطني أقسى على المعني من قسوة القابض بيديه على الجمر.

ويصير التوجس صنو الهلوسة: هل من طريق ثالث لاستعادة السيادة من دون إقصاء السياديين ؟ وإحياء الدولة من دون إكمال تدمير ما بقي منها ؟ وحماية الدستور من دون الإمعان في انتهاكه ؟ والركون إلى الشرعية من دون تخطيها عبر اعتماد الشارع و«ثقافته» وآلياته ؟

وصون السلم الأهلي من دون إشهار السعي إلى نسفه ؟ والمحافظة على الميثاق الوطني وأنشودة التعايش من دون إظهار التبرم من شروطهما أو إظهار اليأس من نجاعتهما ؟

وهل ثنائية التعمير بعد التدمير لا تزال ممكنة أو صالحة في عالم اليوم المأزوم طولا وعرضا وشرقا وغربا وسلسلة معاركه وحروبه تكاد تأخذ الدنيا بما فيها إلى مناخات الحروب العالمية الكبرى (هل هناك حروب عالمية صغرى ؟)..

ثم هل هناك طريقة ما لصون الحياة من دون استحضار آليات الفناء والعدم ؟ ثم، هل أوصلنا حزب إيران وتابعه «الحر» بقيادة جبران باسيل وراعيه الأول، إلى معادلة أسدية تامة مفادها «نحن أو الطوفان» !؟

من مكان لا يزال متاحا للوقوف فيه وعليه مع أصحاب تلك المعادلة الانتحارية والعبثية والتي أوصلت لبنان بجملته إلى كل هذا البؤس ؟

محاولة الإجابة تُعيد إلى البدايات: إذا كان سعد الحريري غير قادر على تحمل وطأة أداء ذلك الثنائي فمن سيقدر على تحمله ؟ وإذا كانت الرحابة والاعتدال والوسطية والنفس التسووي وصفة لعلّة أكيدة فماذا يكون العلاج ؟ وأي منظومة قيم يمكن الاستناد إليها لمخاطبة حزب إيران وحليفه ؟ ..

أسباب كثيرة تدعو إلى اليأس من وضع لبنان قبل إضافة سبب إعلان الحريري المدوّي، لكن من صفوة تلك الأسباب، يبقى في البال أن مخلوقا من طراز باسيل يمكن أن يستمر في لعب أدواره الفظيعة في البلد طالما أنه صفوة حلفاء إيران وحزبها مهما ادعى العكس.

وطالما أن ذلك الحزب لن يجد «أفضل» وأسلس منه لمواكبة وإكمال المسيرة إلى الترميد التام.

* ينشر بالتزامن مع موقع " لبنان الكبير".