أخي يوسف مشتاق إليك غاية الشوق، صحتي في أتعس حال. رجلاي أحسن مما كانتا.

لكن عمودي الفقري هو نقطة الضعف وذلك حماقة «ستاجير» مستشفى الجامعة الأميركية وجهله. لو أن اللعنات تفيد لصببت عليه منها ما يملأ الأرض والسماء.

لا إنتاج عندي هذه الأيام، مسألة صحتي تشغل كل آفاق فكري، أما أحلامي وآمالي، فهي أن أشفى لأستطيع الشعور بأنني بشر كالبشر. سأكتب لك من درام لتعرف عنواني، كما سأكتب إلى أدونيس حين أحصل على عنوانه.


أخي يوسف

لننس ما أساء بعضنا إلى بعض، إنني لا أزال أعتبرك واحدا من أخلص أصدقائي وأنبلهم.. ربما لأنني أعرفك على حقيقتك، التي يحاول الكثيرون أن يغشوا عليها، أمل أن تكون لي وفرة من الإنتاج الجيد بعد شفائي بإذن الله.

ماذا تم بشأن كتبي التي أودعتها عندك؟ وأهمها الكتاب المقدس. أبقها لديك محفوظة ريثما أعود من إنجلترا. سأكتب إليك كثيراً... وبانتظار لقائنا على صفحات الرسائل، أو على ساحل الأبيض المتوسط، دُم لأخيك.

البصرة في 24/8/1961

أخي العزيز يوسف بعد انتظار طويل، تلقيت رسالة منك. لا تدري أي شوق يشدني شدّاً إليك وإلى بيروت. عسى أن تتحقق الآمال فنلتقي في القريب، أنتظر أن تصلني نسخة من شهادتي بعد أيام قليلة، وسأرسلها إليك مرفقة بطلب الالتحاق بالجامعة الأمريكية. كم أتمنى أن تنشر مجلة «الأديب» ردّي على «الآداب» وبعض كتابها، إنه رد صريح لا مواربة فيه، وفيه إيضاح لكثير من المسائل، يبدو أن دكتورنا إدريس فقد أعصابه نتيجة النجاح الساحق، الذي تناله مجلة «شعر وشعراؤها ومناصروها. أخبارك عظيمة: جبرا وتوفيق صايغ معكم. تحياتي القلبية إليها.

سيبدأ مؤتمر روما الأدبي يوم 16/10/1961، فمتى تنصحني بالسفر إلى إيطاليا؟ وهل أستطيع المرور ببيروت والبقاء فيها يوماً أو يومين، أواصل بعدهما السفر إلى إيطاليا؟. كيف حال سلمى؟ «التي أصابها رشاش من قلم دكتور الحي اللاتيني»، تحياتي لها. بلغ سلامي الوافر إلى الإخوان:

فؤاد رفقة محمد الماغوط «ما له ساكتا؟»، أنسي الحاج، شوقي أبي شقرا، رفيق معلوف ورفيق الحال.

تحياتي للعائلة الكريمة «ولجواد بصورة خاصة» واسلم لأخيك.

البصرة في 26/3/1962

أخي العزيز يوسف مشتاق إليك للغاية، لكننا سنلتقي قريباً إن شاء الله، فقد جاءتني برقية من سيمون جارجي، يسألني فيها إن كنت أستطيع أن أكون في بيروت بين 17/10 نيسان. وأن المنظمة العالمية لحرية الثقافة، ستتحمل أجور سفري وإقامتي. وسأكون في بيروت بين هذين التاريخين بعون الله، لدي الآن 21 قصيدة جديدة، سأحاول إیجاد مشتر لها في بيروت. إنني في فقر مريع. سوف آتي إلى بيروت وأنا لا أحمل في جيبي غير بضعة دنانير، عسى أن تستطيع تدبير شيء لي حين أكون في بيروت. أما الانتظار شهراً فذلك أمر من العسير. سأكتب لكم رسالة العراق في بيروت. الأخبار الأدبية كلها في بغداد. سأزور بغداد في طريقي إلى بيروت، وسأجمع من هناك من الأخبار ما يصلح لأن يكون رسالة.

أنا الآن في دوامة من النشاط الشعري. لكن.. قاتل الله الشعر، إنه لا يشبع من جوع ولا يكسو من عري، إن ترجمة كتاب واحد لمؤسسة فرانكلين مثلاً، تدر من المال ما يعادل ربح دواوين عدة. لم يرسل إلي جميل جبر شيئاً، ولكن.. ما هذا الاختيار؟ لماذا جميل جبر دون سواه ؟

أذهلتني أغاني مهيار الدمشقي. إن أدونيس، كما عرفت ذلك منذ مدة غير قصيرة، شاعر عظيم.. عظيم.

والدكتور إدريس، وما أدراك ما الدكتور إدريس؟ أظن أن مجلته منعت من دخول سوريا. فهو يريد الاقتصاص من مجلة شعر. ليمنع دخولها الشام أو مصر على الأقل.

دعه ينطح رأسه بألف صخرة. إنه يفقد خيرة كتابه وشعرائه واحداً بعد واحد. كان محيي الدين محمد آخر هؤلاء المفقودين، كما أخبرني في رسالة.

أصحيح أنه سيأتي إلى بيروت للمساهمة في تحرير أدب. سيكون ذلك حدثاً عظيماً. الكلمة الخيرة الصادقة هي التي ستنتصر أخيراً.. لا العنتريات أو الإدريسيات قبل لي جوادا. وبلغ تحياتي لأدونيس ورفيق وشوقي وليل البعلبكي ولور غريب. وللعائلة الكريمة ودم للمخلص.

1991*

* شاعر وكاتب عراقي «1926 - 1964».