السعودية دولة تصنع التاريخ، التاريخ لا يكتبه الضعفاء، ولا تحفظ صفحاته إلا أسماء الدول التي استطاعت أن تصمد أمام التغيرات، متجاوزة كل الأزمات، متكيفة مع التحولات الكبرى دون أن تفقد هويتها أو سيادتها. والمملكة العربية السعودية، منذ أكثر من ثلاثة قرون، لم تكن استثناءً من هذه القاعدة. فقد ولدت من رحم الصراعات، لكنها لم تكن طرفًا مستسلِمًا في تلك المواجهات، بل كانت كيانًا سياسيًا صاعدًا، يفهم قوانين التاريخ ويتعامل مع التحولات بوعي ومرونة، فكانت كل مرحلة من مراحل تأسيسها استمرارًا لمسيرة طويلة من الصمود وإعادة البناء، حتى وصلت إلى مكانتها اليوم كواحدة من الدول المحورية في النظام العالمي الجديد. عندما تأسست الدولة السعودية الأولى عام 1727، كانت المنطقة العربية تمر بمرحلة اضطراب سياسي شديد، وكانت القوى الكبرى، مثل الدولة العثمانية والدول الاستعمارية الأوروبية، تتنافس على النفوذ في الشرق الأوسط. في ظل هذا الواقع، لم يكن تأسيس الدولة السعودية مجرد مشروع محلي، بل كان فعلًا سياسيًا متقدمًا، يقوم على مبدأ الاستقلال الذاتي، وتوحيد القبائل المتفرقة تحت راية واحدة، وإرساء نظام حكم مستقر في منطقة تعاني من التشرذم. لم يكن هذا الأمر سهلًا، فقد واجهت الدولة الوليدة تحديات كبيرة، لكنها استطاعت أن تفرض وجودها حتى أصبحت قوة إقليمية مؤثرة. لكن هذا الصعود لم يكن مقبولًا لدى الدولة العثمانية، التي رأت فيه تهديدًا لنفوذها، فأرسلت حملاتها العسكرية للقضاء عليها، إلى أن سقطت الدرعية عام 1818م. لم يكن سقوط الدولة السعودية الأولى نهاية المشروع، بل كان بداية جديدة. ففي عام 1824م، استطاعت أسرة آل سعود إعادة بناء الدولة من جديد في الرياض. كانت الدولة السعودية الثانية امتدادًا للأولى، لكنها واجهت تحديات مختلفة، حيث لم تقتصر المواجهة على القوى الخارجية فحسب، بل ظهرت صراعات داخلية زادت من ضعفها. وفي نهاية المطاف، سقطت الدولة الثانية عام 1891م، ليظن البعض أن هذه النهاية ستكون الأخيرة، غير أن القدر كان يحمل للسعوديين فصولًا أخرى من النهوض. في بداية القرن العشرين، كانت خريطة العالم تعاد صياغتها من جديد. الحرب العالمية الأولى أنهكت الإمبراطوريات التقليدية، وسقطت الدولة العثمانية، وبدأ النفوذ الأوروبي يتوسع في المنطقة. وفي خضم هذه الفوضى، ظهر الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ليعيد كتابة التاريخ من جديد، عندما استعاد الرياض عام 1902م، وبدأ رحلة توحيد الجزيرة العربية. لم يكن هذا مجرد انتصار عسكري، بل كان خطوة إستراتيجية في لحظة كان العالم يعيد تشكيل موازينه، فكان على المملكة الجديدة أن تجد لنفسها مكانًا وسط هذه التحولات.

وفي عام 1932م، أُعلن رسميًا عن المملكة العربية السعودية، التي سرعان ما أثبتت أنها ليست مجرد دولة ناشئة، بل كيان سياسي قادر على التعامل مع القوى الكبرى دون أن يكون تابعًا لأي منها.

التاريخ يعيد نفسه، والتحولات الكبرى التي شهدها القرن العشرين لم تكن سوى مقدمة لما نراه اليوم. فالعالم لم يعد أحادي القطبية كما كان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بل أصبح متعدد الأقطاب، حيث تتنافس القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، على إعادة رسم ملامح النظام الدولي.ر وفي ظل هذه التحولات، تقف المملكة العربية السعودية بثقة، ليس فقط كدولة مستقلة، بل كقوة فاعلة تمتلك رؤيتها الخاصة لمستقبل المنطقة والعالم. فهي لا تلعب دور التابع لأي قوة كبرى، بل هي من تصوغ سياساتها بناءً على مصالحها الاستراتيجية، مستفيدة من مكانتها الاقتصادية القوية، ومن قدرتها على المناورة بين القوى المتنافسة. لم تعد السعودية اليوم تلك الدولة التي تعتمد على النفط كمصدر وحيد لقوتها، بل أصبحت تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع، قائم على التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والصناعات العسكرية، والسياحة.


هذه التحولات لم تأتِ من فراغ، بل امتداد لنهج التأسيس الذي قام دائمًا على فكرة الاستقلالية وعدم الارتهان لأي قوة خارجية. وكما كانت المملكة في الماضي قادرة على تجاوز كل المحاولات التي استهدفتها، فإنها اليوم أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل، سواء من خلال تطوير اقتصادها، أو تعزيز قوتها العسكرية، أو بناء تحالفات إستراتيجية جديدة لا تجعلها أسيرة لأي محور دولي.

حين ننظر إلى التأسيس السعودي في ضوء التحولات العالمية، ندرك أن هذه الدولة لم تكن يومًا مجرد كيان سياسي عابر، بل مشروع مستمر للصمود، والنهضة، والقيادة. واليوم، في عالم يتغير كل يوم، تبدو المملكة أكثر استعدادًا ليس فقط للبقاء، بل لصياغة مستقبل العالم العربي والإسلامي، والمشاركة في تشكيل النظام العالمي الجديد. لأن الدول العظيمة لا تنشأ بالصدفة، بل بالتاريخ والمستقبل معًا.