هذا ما يحدث في صحارى السعودية، حيث تتحول نبتة «السمح» الحولية والفريدة من نوعها، وهي من النباتات قليلة الانتشار إلى حد الاقتراب من الندرة، لتُصنع من حبيباتها المطحونة أكلة تمثل إرثًا وتراثًا مميزين، تُعرف باسم «البكيلة»، حيث يُضاف إليها التمر والسمن، وتعد مكونًا أساسيًا للهوية الغذائية في منطقة الجوف الشمالية، حيث يعيش السمح وينمو.
وأدرجت «بذور السمح» كعنصر غذائي لمنطقة الجوف سجلته هيئة فنون الطهي في قائمة «سفينة الذوق» لمنظمة Slow Food.
يعرف السمح بأنه نبتة تنمو فقط في الجوف دون غيرها من مناطق المملكة، ما يزيد من ندرته وأهميته، ويجعل من أكلة «البكيلة» المعدة منها مميزة عن غيرها من أكلات الشتاء الشعبية.
مفردات لا يعرفها جيل اليوم
(كليجة، معصوب، مطازيز، تطماج، وحنيني، فتيته، حميسة، لخوفه، خميعة، وكذا البكيلة)
قد تبدو هذه المفردات غريبة على الجيل الجديد، لكنها تحمل إرثًا ثقافيًا واجتماعيًا سعوديًا عريقًا. يكثر ذكرها في فصل الشتاء، وترجع أصولها إلى مسميات لأكلات شعبية معروفة في المطابخ السعودية، وأمهات «زمن لول»، ومن بين هذه الأكلات، برزت طبخة تحمل بصمة مختلفة رغم قدمها، وهي البكيلة أو البتيلة كما يطيب لأهل الجوف تسميتها، كما أنها من الأكلات الشعبية في مملكة الأردن.
البكيلة تراث غذائي
تختلف البكيلة عن غيرها من المأكولات في مكوناتها، إذ تعد بذور السمح مكونها الرئيس. ويعود تاريخها إلى قرون ماضية، حيث كانت تُقدم كغذاء مقوٍ للحجاج، وتُعطى للمرضعات لزيادة الحليب، وتُقدم في الأفراح لتعزيز القوة.
وبحسب المهتم بالشأن الزراعي عصام القعيد، فإن نبات السمح يُعد مشبعًا بمياه الأمطار، ويُعرَف علميًا باسم Mesembryanthemum. وهو نبات عشبي أخضر اللون، يتميز بعصارة وسيقان وأوراق طويلة، وزهور بيضاء. وتظهر ثماره على شكل كبسولات تُسمى «الكعبر»، وتبقى محفوظة لعشرات السنين في حال حافظت على جفافها.
وتشتهر الجوف بوجود نبتة السمح التي تنمو في سهل البسيطا، بعيدًا عن تدخل الإنسان، بعد هطول الأمطار على أرض مستوية رملية خالية من الحجارة، وتقدّر مساحة سهل البسيطا بنحو 7000 كيلومتر مربع، كما تتواجد في ميقوع، القطّب، الحمّاد، والشقيق.
ندرة وتهديد بالانقراض
شرحت الشيف منيرة عبدالله، المختصة في الأكلات السعودية من المنطقة الشمالية، والحاصلة على دبلوم طهي من جامعة نيفادا بالولايات المتحدة، أثناء مشاركتها في مهرجان المأكولات الشعبية بالقطيف، مكونات البكيلة، وقالت «البكيلة هي نبتة السمح، التي تنمو فقط في منطقة الجوف، وهي مهددة بالانقراض. حاول البعض زراعتها في مناطق أخرى، لكن دون نجاح. وتُعجن النبتة مع التمر والسمن، وتكاد تشبه التمرية والعصيدة».
ونوهت إلى أن «أن نبات السّمح يُستخدم على نطاق واسع في منطقة الجوف، وأثبت علميًا فوائده الغذائية عبر التحاليل المخبرية».
نبتة الزمن الجميل باقية
يؤكد المزارع حسن الجمعان، أن نبات السمح حولي، ينبت من جراء أمطار الوسم في سهل البسيطا، وهو نبات معروف منذ القدم استخدم كنوع من التعزيز لتقوية الحجاج قديمًا نظرًا لفوائده الغذائية الكبيرة في بث الدفء، وإمداد الجسم بالطاقة.
وواصل «هناك بعض الصعوبة في جني ثماره، إذ يتطلب جهدًا في البحث عنه، ثم تجفيفه وطحنه».
ويؤكد «يمكن أن يُخزن السمح لأكثر من 50 عامًا، شريطة تجفيفه بعيدًا عن الرطوبة، ثم يُستخدم بعد تخفيفه في الماء لإعداد الحبيبات الصغيرة التي تُطحن وتُخلط حسب الرغبة، ويباع على شكل مسحوق مطحون، حيث يفضل البعض تناوله على شكل بسكويت أو خبز أو عصيدة، ويُباع بأسعار متباينة».
فوائد غذائية
وفقًا للاختصاصية في التثقيف الغذائي عبير الفرج، فإن بذور السمح غنيةٌ جدًا بالعناصر الغذائية، وتقدم فوائد صحية متعددة، منها تعزيز الهضم بفضل الألياف، بناء العضلات بالبروتين، دعم المناعة بالفيتامينات والمعادن، وتوفير الطاقة. كما تسهم في تنظيم سكر وضغط الدم والكوليسترول، وتساعد في الوقاية من الأمراض بفضل مضادات الأكسدة، مما يجعله غذاءً صحيًا متوازنًا.
ولفتت إلى أن الدراسات أثبتت أن السمح يحتوي على بروتين بنسبة 23%، ويحتوي على 8 عناصر معدنية تشمل البوتاسيوم، المغنيسيوم، الصوديوم، الكالسيوم، الحديد، المنغنيز، الزنك، والنحاس، إضافة إلى نسبة ألياف تبلغ حوالي 5.9%
وعن فوائد دقيق السمح الصحية، قالت:
غناؤه بالبروتين: يعزز بناء الأنسجة والعضلات، ويمنح شعورًا بالشبع لفترات أطول.
- تعزيز الهضم: الألياف الغذائية تحسن حركة الأمعاء وتخفف مشاكل الجهاز الهضمي.
- مصدر المعادن والفيتامينات: كالكالسيوم، والمغنيسيوم، والحديد، والبوتاسيوم، والمنغنيز، وفيتامينات ب التي تدعم صحة العظام والمناعة.
- مضاد أكسدة: يحمي الخلايا ويقلل الالتهابات.
- صحة القلب: يساعد في خفض ضغط الدم والكوليسترول.
- تنظيم سكر الدم: قد يسهم في خفض مستويات السكر، مفيد للوقاية من السكري.
- مصدر للطاقة: يوفر طاقة مستدامة بفضل الكربوهيدرات المعقدة.
وعن استخداماته في المطبخ، قالت:
يمكن استخدامه في كل مما يلي:
- بديل للدقيق: يُستخدم في خبز الكيك، المعجنات، والخبز.
- الأكلات التقليدية: مكون أساسي في أطباق مثل البكيلة (مع التمر والسمن) أو العصيدة.
- كما يمكن رشّه على السلطات أو اللبن لزيادة القيمة الغذائية.
رمز للكرم والقوة
شددت الفرج على أهمية وتميز طبخة البكيلة أو البتشيلة؛ بكونها من التراث العميق لمنطقة الجوف والأردن، وتُعد من الحلويات الشعبية الغنية ذات القيمة الغذائية العالية. وهي تعتمد على مكونات طبيعية، مثل دقيق السمح، المستخلص من النبتة البرية الصحراوية، أو القمح المحمّص، وتُخلط مع التمر، والسمن البلدي، والحليب أو الماء، لتُشكل وجبة طاقة ودفء. وتُقدّم للضيوف في المناسبات رمزًا للكرم، القوة، والارتباط بالأرض.
وعن المكونات الرئيسية للبكيلة قالت «في الجوف: دقيق السمح يُستخرج من نبتة السمح البرية، ويُعجن مع تمر حلو من جبال الجوف والسمن.