ولعل أبرز ملامح هذا التحول والطفرة، هي مصنع «أسيك»، الذي يعد أكبر مصهر عالمي لإنتاج مواد أولية للتيتانيوم، بطاقة إنتاجية سنوية تصل إلى 500 ألف طن من مركزات التيتانيوم، و250 ألف طن من الحديد الإسفنجي عالي النقاء.
وتدخل هذه المنتجات مباشرة في صناعة الطائرات والمحركات النفاثة والمعدات الطبية المتقدمة، مما يضع جازان على خريطة التوريد العالمية للصناعات عالية التقنية، ويسهم في كتابتها فصلا جديدا في قصة التحول الاقتصادي الوطني ضمن رؤية 2030.
ثروات متنوعة
يتميز المخزون المعدني في جازان بتنوع نادر يجمع بين المعادن النفيسة (الذهب والفضة)، والمعادن الأساسية (النحاس والزنك)، والموارد الإستراتيجية (التيتانيوم والزركونيوم)، إضافة إلى احتياطيات وفيرة من مواد البناء عالية الجودة مثل البازلت والجرانيت.
هذا التنوع ليس مجرد ثروة خام، بل أساس لسلاسل قيمة متكاملة تمتد من الاستخراج إلى التصنيع المتقدم، مرورًا بالتكرير والتحويل، وصولًا إلى منتجات نهائية تدخل في صناعات الطيران والسيارات والطاقة المتجددة.
زخم استثماري متسارع
تعكس الأرقام الحالية زخمًا استثماريًا قويًا يتمثل في 63 رخصة تعدينية سارية تغطي نحو 45.54 كلم مربع، بإجمالي استثمارات مباشرة تصل إلى 4 مليارات ريال.
وتطوير 11 مجمعًا تعدينيًا متكاملًا على مساحة تتجاوز 221 كلم مربع، مما يمهد لمضاعفة الإنتاج والقيمة المضافة خلال السنوات المقبلة.
عماد الحديد والصلب
إلى جانب مصنع «أسيك»، يشكل مصنع «صلب ستيل» عمادًا لقطاع الحديد والصلب المحلي بإنتاج سنوي يبلغ مليون طن من كتل الصلب، تغذي خطوط إنتاج حديد التسليح ولفائف الأسلاك والمنتجات الهندسية المتنوعة.
وتكتمل الصورة بـ189 مصنعًا قائمًا في المنطقة باستثمارات تتجاوز 5.45 مليارات ريال، مدعومة بقروض تراكمية من صندوق التنمية الصناعية بلغت 14.2 مليار ريال – دلالة واضحة على الثقة الكبيرة في جدوى المشاريع.
استدامة وابتكار
تتوسط هذه المنظومة الصناعية مدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية، التي تمتد على مساحة 266 كلم مربعا، وقد جذبت استثمارات رأسمالية تقترب من 5.8 مليارات ريال، فيما تتجاوز التزامات القطاع الخاص 113 مليار ريال (مع استثمارات إضافية في مراحل التصميم والإنشاء تبلغ 37 مليار ريال).
وحصلت المدينة أخيرًا على شهادة LEED البلاتينية – أعلى تصنيف بيئي عالمي – مما يعكس التزامها بالاستدامة والتصميم الأخضر.
ويمنحها موقعها الإستراتيجي على ساحل البحر الأحمر – الذي يمر عبره نحو 13% من التجارة البحرية العالمية – ميزة تنافسية فريدة.
كما أقرت الحكومة لوائح المنطقة الاقتصادية الخاصة بجازان (فعالة أبريل 2026)، لتعزيز الاستثمار في التعدين والتصنيع التحويلي.
بوابة عالمية
يعزز هذا الموقع ميناء مدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية، الذي تديره الهيئة الملكية للجبيل وينبع منذ عام 2022، بمساحة 7 ملايين متر مربع وبطاقة استيعابية حالية تصل إلى 140 مليون طن سنويًا، واستثمارات بنية تحتية تقدر بـ4 مليارات ريال.
ليس الميناء مجرد منفذ تصدير، بل بوابة لوجستية تربط المنتجات السعودية بأسواق آسيا وأوروبا وإفريقيا بكفاءة وسرعة غير مسبوقة.
قاعدة الاستثمار الواعد
تمتلك المدينة الصناعية «مدن» بمنطقة جازان مساحة مطورة تصل إلى 3.9 ملايين متر مربع، وعدد العقود الصناعية 80 عقدًا (منها 28 مصنعًا في مرحلة الإنتاج الفعلي)، وتغطي قطاعات متنوعة. وبلغت قيمة المشاريع الرأسمالية أكثر من 415 مليون ريال، وحجم الاستثمارات في القطاع الخاص أكثر من 1.3 مليار ريال.
دعم الثروة الحيوانية
شهدت المدينة أخيرًا تدشين مصنع «سما الجود للأعلاف» على مساحة 20 ألف متر مربع باستثمار 15 مليون ريال، ليصبح رافدًا مهمًا لدعم الثروة الحيوانية من خلال إنتاج الشعير المضغوط، مضغوط الذرة، المجروش، بأحدث التقنيات.
جازان نموذج
جازان اليوم لم تعد مجرد منطقة جغرافية في أقصى الجنوب، بل تحولت إلى نموذج حي ونابض لنجاح رؤية 2030؛ نموذج يجمع بين الثروة الطبيعية الهائلة، والبنية التحتية المتطورة، والموقع الإستراتيجي الفريد، والإرادة الحقيقية لبناء اقتصاد معرفي وصناعي مستدام يفخر به كل سعودي.