في خطوة نوعية تعيد رسم المشهد السياسي والعسكري في اليمن، نجحت قوات «درع الوطن» التابعة للحكومة الشرعية في دخول العاصمة المؤقتة عدن واستعادة السيطرة على المؤسسات الحيوية، فيما غادر عيدروس الزبيدي، رئيس ما يسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي» إلى الإمارات عن طريق الصومال في ظل انهيار مشروعه الانفصالي.

واستكمل الأمر بحل المجلس الانتقالي وكافة هيئاته وأجهزته الرئيسة والفرعية وإلغاء كافة مكاتبه داخل اليمن وخارجه، بعد الأحداث الأخيرة المؤسفة في حضرموت والمهرة وما تلاها من رفض لجميع جهود التهدئة وإنهاء التصعيد، وما ترتب على ذلك من تداعيات خطيرة. وأكدت أن المجلس الانتقالي فشل في تحقيق أهدافه المتمثلة في قيادة وتمثيل القضية الجنوبية بما يضمن تحقيق تطلعاتها، حيث اتخذت قيادته قرارات أضرت بالقضية الجنوبية لخدمة المصالح الشخصية للزبيدي وطموحه في الاستفراد بالسلطة.

وبدا جليا أن المجلس الانتقالي كان أداة في يد الزبيدي الذي استغل القضية الجنوبية العادلة لتحقيق مكاسب شخصية.


هذا التطور جاء تتويجاً لجهود المملكة العربية السعودية الحثيثة في دعم الشرعية اليمنية وتوحيد المؤسسات العسكرية تحت مظلة الدولة، كما يمثل انتصاراً للخيار السياسي على منطق الميليشيات المسلحة.

التحولات الأخيرة فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وعززت من فرص التوصل إلى حل سياسي شامل ينهي معاناة الشعب اليمني ويحفظ وحدة البلاد وسيادتها. وأكدت ثقة المكونات الجنوبية بصدق مساعي المملكة الرامية لإيجاد حل عادل للقضية الجنوبية ورعايتها لمؤتمر جنوبي شامل، وهو ما يضمن إيجاد حل عادل للقضية الجنوبية من خلال الحوار بين المكونات الجنوبية بما يحفظ حق الشعب الجنوبي في استعادة دولته وفق إرادته وتطلعاته ويحقق الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

انتصار الشرعية

شكل دخول قوات «درع الوطن» إلى عدن «العاصمة المؤقتة للجمهورية اليمنية» علامة فارقة في مسار استعادة الدولة اليمنية لهيبتها وسيطرتها على المناطق المحررة.

واستطاعت القوات الحكومية بسط نفوذها على المؤسسات الأمنية والمواقع الإستراتيجية دون مواجهات عسكرية كبرى، وهو ما يعكس حجم التآكل الذي أصاب البنية العسكرية للمجلس الانتقالي خلال الأشهر الماضية.

هذا النجاح لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة لجهود منهجية لإعادة بناء المؤسسة العسكرية الوطنية وتوحيد صفوفها تحت قيادة موحدة.

زمن الانفصال المسلح انتهى

الخطوة تمثل رسالة واضحة بأن زمن الميليشيات والتشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة قد ولى، وأن المستقبل لن يكون إلا لمؤسسات شرعية تحظى بالاعتراف الدولي وتعمل وفق الدستور والقانون.

السيطرة على عدن، بوصفها العاصمة المؤقتة ومركز الثقل الاقتصادي للبلاد، تعني استعادة الحكومة لقدرتها على إدارة شؤون البلاد وتقديم الخدمات للمواطنين، وهو ما يعزز من شرعيتها الشعبية إلى جانب شرعيتها الدستورية والدولية.

انهيار المشروع الانفصالي

يرى محللون سياسيون أن مغادرة الزبيدي إلى الإمارات في هذا التوقيت الحرج تكشف حقيقة المشروع الانفصالي الذي روّج له طوال السنوات الماضية.

المجلس الانتقالي، الذي حاول أن يقدم نفسه كممثل للجنوب اليمني، أثبتت الأحداث أن الزبيدي اختطفه ليصبح بمثابة تشكيل مسلح يعتمد على دعم خارجي، ولا يمتلك قاعدة شعبية حقيقية أو رؤية سياسية واضحة.

الانهيار السريع لقوات الانتقالي العسكرية يؤكد أن ولاءاتها كانت مرتبطة بالمصالح الآنية وليس بقناعات عميقة بالمشروع الذي كان يروج له.

وأثبتت التجربة أن المشاريع الانفصالية التي تعتمد على السلاح والدعم الخارجي محكوم عليها بالفشل والسقوط، وأن الحل الوحيد القابل للاستمرار هو ذلك الذي يحترم وحدة البلاد ويعالج المظالم من خلال الحوار والعمل السياسي. وأن المواطنين في المحافظات الجنوبية، وعلى الرغم من مطالبهم المشروعة بالتنمية والعدالة، لم يكونوا يوماً مع مشاريع الفوضى والانقسام التي تعمق معاناتهم بدلاً من أن تحلها.

الدور السعودي الحاسم

لعبت السعودية وما تزال تلعب دوراً محورياً في دعم الشرعية اليمنية واستعادة الدولة. فمنذ انطلاق عملية عاصفة الحزم عام 2015، وقفت المملكة إلى جانب الشعب اليمني في مواجهة الانقلاب الحوثي ومحاولات تقويض الدولة من أي طرف كان.

وقام الموقف السعودي الثابت على مبادئ واضحة: دعم الشرعية الدستورية، الحفاظ على وحدة اليمن وسيادته، ورفض كل المشاريع الانفصالية أو الميليشياوية التي تهدد استقرار البلاد.

وجاءت التطورات الأخيرة في عدن في سياق الرؤية السعودية الشاملة لحل الأزمة اليمنية، والتي تركز على توحيد الصف اليمني في مواجهة التهديدات المشتركة، وعلى رأسها الانقلاب الحوثي المدعوم إيرانياً. وقد استثمرت المملكة جهوداً دبلوماسية مكثفة لجمع الأطراف اليمنية المختلفة حول طاولة الحوار، وقدمت مبادرات سياسية متعددة للوصول إلى حل شامل، مع استمرارها في دعم إعادة بناء المؤسسات الحكومية وتقديم المساعدات الإنسانية والإنمائية للشعب اليمني.

الموقف السعودي من المجلس الانتقالي كان واضحاً منذ البداية: الترحيب بكل الأطراف التي تلتزم بالشرعية وترفض الانفصال، ورفض أي محاولات لتقسيم اليمن أو إنشاء كيانات موازية للدولة. هذا الموقف المبدئي أثبت صوابه اليوم، حيث أدى الصبر والحكمة السعودية إلى انهيار المشروع الانفصالي دون الحاجة إلى مواجهات عسكرية واسعة تزيد من معاناة المواطنين.

واستحق الالتزام السعودي الواضح والصريح حيال القضية الجنوبية إشادات حتى من قيادات في المجلس الانتقالي بما صدر عن المملكة من التزامات واضحة وصريحة حيال القضية الجنوبية وتبنيها لحلول تلبي تطلعات وإرادة أبناء الجنوب.

إعادة الاستقرار

أكد مراقبون سياسيون أن استعادة السيطرة على عدن تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل لإعادة الاستقرار وتطبيع الحياة في المحافظات المحررة. وأنه بات أمام الحكومة الشرعية الآن فرصة لإثبات قدرتها على إدارة شؤون البلاد وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. وهذا يتطلب العمل على عدة محاور في وقت واحد: إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية وتوحيدها، وتحسين الخدمات العامة، ومعالجة الأوضاع الاقتصادية المتردية، والشروع في برامج تنموية حقيقية تلبي تطلعات المواطنين.

نجاح سياسي مستدام

يكمن التحدي الأكبر حاليا في تحويل النصر العسكري إلى نجاح سياسي مستدام. وهذا يعني فتح قنوات حوار حقيقية مع كل المكونات الجنوبية التي لها مطالب مشروعة، وضمان تمثيلها العادل في مؤسسات الدولة، وإطلاق مشاريع تنموية تعالج التهميش الذي عانت منه بعض المناطق. والحل ليس في إقصاء أحد، بل في بناء دولة عادلة تحترم التنوع وتوفر الفرص للجميع.

وسيكون الدعم السعودي حاسماً في هذه المرحلة، سواء على مستوى المساعدات الاقتصادية والإنمائية، أو على مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي. وقد أثبتت المملكة خلال السنوات الماضية التزامها بالوقوف إلى جانب الشعب اليمني في كل المراحل، وليس فقط في الجوانب العسكرية، بل أيضاً في جهود إعادة الإعمار والتنمية.

تداعيات الحدث الإقليمية

يرى مراقبون سياسيون أن التطورات في الجنوب اليمني لها أبعاد إقليمية مهمة، فانهيار المشروع الانفصالي يضعف المحاولات الإيرانية لاستغلال الانقسامات اليمنية لصالحها، ويعزز من موقف دول التحالف العربي في مواجهة الانقلاب الحوثي. ووحدة الصف اليمني تحت مظلة الشرعية تعني أن جهود مكافحة الانقلاب ستكون أكثر فعالية وتنسيقاً، وأن المفاوضات السياسية ستكون من موقع قوة لا ضعف.

بالنسبة للإمارات، فإن استضافتها للزبيدي في هذا التوقيت تطرح تساؤلات حول موقفها المستقبلي من الملف اليمني.

وتتطلع السعودية، بحكم قيادتها للتحالف العربي ومسؤوليتها التاريخية تجاه اليمن، إلى موقف إماراتي داعم للشرعية ورافض للانفصال، وهو ما يخدم المصالح المشتركة لدول الخليج ويحفظ أمن واستقرار المنطقة.

على المستوى الدولي، فإن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي يرحبان دائماً بأي خطوات تعزز من سلطة الحكومة الشرعية وتوحد المؤسسات تحت إطار الدولة. هذه التطورات تدعم جهود المبعوث الأممي لإحياء العملية السياسية وتسهل التوصل إلى تسوية شاملة تحظى بقبول دولي وإقليمي.

آفاق مستقبلية

المشهد اليمني يقف اليوم عند منعطف تاريخي. استعادة عدن وانهيار الانفصال يفتحان الطريق أمام توحيد الجبهة الوطنية في مواجهة الانقلاب الحوثي، وهو الهدف الإستراتيجي الأكبر الذي يجب أن تتجه إليه كل الجهود. وقد عانى الشعب اليمني سنوات طويلة من الحروب والانقسامات، وهو يستحق فرصة حقيقية للسلام والاستقرار والتنمية.

ويتطلب النجاح في المرحلة المقبلة حكمة سياسية ورؤية إستراتيجية بعيدة المدى. وسيكون على الحكومة الشرعية أن تثبت أنها حكومة لكل اليمنيين، وأن تعمل على بناء مؤسسات دولة عادلة وفعالة. في ظل مواصلة الدعم من المجتمع الدولي ودول التحالف، وعلى رأسها السعودية حتى تحقيق الاستقرار الكامل واستعادة اليمن لدوره الطبيعي في المنطقة.

القضية الجنوبية، بمطالبها المشروعة، لن تحل بالسلاح والانفصال، بل بالحوار الوطني الجاد والإصلاحات الحقيقية التي تعالج التهميش وتحقق العدالة. والصيغة الأمثل هي دولة يمنية موحدة ذات نظام لامركزي يمنح الأقاليم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها المحلية، مع الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها.

التحديات لا تزال كبيرة، لكن التطورات الأخيرة تبعث على التفاؤل بأن اليمن قادر على تجاوز محنته وبناء مستقبل أفضل لأجياله القادمة. الإرادة السياسية موجودة، والدعم الإقليمي والدولي متوفر، وما يبقى هو الالتزام بالحوار والتفاهم والعمل المشترك لبناء اليمن الموحد المستقر الذي يتطلع إليه الجميع.

الدور السعودي في اليمن

ـ دعم ثابت للشرعية اليمنية منذ عملية عاصفة الحزم 2015

ـ مبادرات سياسية ودبلوماسية متواصلة لتوحيد الصف اليمني

ـ مساعدات إنسانية وإنمائية للشعب اليمني بمليارات الدولارات

ـ موقف مبدئي رافض للانفصال ومؤيد لوحدة اليمن

التحديات المقبلة

ـ إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية

ـ تحسين الخدمات وإطلاق مشاريع تنموية في المناطق المحررة

ـ فتح حوار وطني شامل يعالج المظالم التاريخية

ـ مواصلة الجهود لإنهاء الانقلاب الحوثي وتعزيز الشرعية